صدر حديثا كتاب جديد للكاتب محمد الباز، أخصائي التخاطب والتربية الخاصة تحت عنوان «في بيتنا نسر»..
دليل عملي لفهم سلوك الأطفال وأسبابه وطرق التعامل الإيجابي معه.
وفي زمن تتزايد فيه الضغوط اليومية على الأسرة، وتتراجع فيه مساحات الحوار داخل البيوت، يجيء كتاب «في بيتنا نسر» ليطرح مقاربة تربوية مختلفة، تتجاوز منطق تقويم السلوك إلى فهم الإنسان في بدايات تشكّله الأولى. فالكتاب لا ينظر إلى الطفل باعتباره مشكلة تحتاج إلى ضبط، بل ككائن إنساني يتواصل بسلوكه قبل كلماته، ويعبّر بأفعاله عمّا يعجز عن قوله.

ينطلق الكتاب من فكرة محورية مفادها أن السلوك غير المرغوب فيه ليس وليد العناد أو سوء النية، وإنما انعكاس مباشر لمشاعر غير مفهومة أو احتياجات غير مُلبّاة. ومن هنا، يدعو المؤلف إلى تغيير زاوية النظر التربوي، والانتقال من سؤال «كيف نُوقِف السلوك؟» إلى سؤال أعمق وأكثر إنسانية: «ما الذي يحاول الطفل قوله من خلال هذا السلوك؟».
ويستعير الكتاب رمز «النسر» ليجسّد فلسفته التربوية؛ فالنسر قد يبدو في مظهره قاسيًا أو مقلقًا، لكنه يمتلك قدرة فريدة على التحليق حين تتوافر له البيئة الآمنة. هكذا يرى الكتاب الأطفال الذين يُوصَفون بالمزعجين أو الصعبين، باعتبارهم طاقات كامنة أُسيء فهمها، لا مشكلات تستوجب القمع.
ويتناول «في بيتنا نسر» عددًا من القضايا الشائعة داخل الأسر العربية، مثل نوبات الغضب، وفرط الحركة، والغيرة بين الإخوة، والانسحاب الاجتماعي، وضعف التواصل، لكن دون إصدار أحكام مسبقة على الطفل. بل يضع هذه السلوكيات في إطارها النفسي والتربوي، معتبرًا إياها استجابات طبيعية لخلل في الاحتواء أو اضطراب في العلاقة الأسرية.
كما يتوقف الكتاب عند أخطاء تربوية شائعة تُمارَس بدافع الحرص، لكنها تترك آثارًا عميقة في نفس الطفل، مثل القسوة الزائدة، والتجاهل العاطفي، والمقارنات المستمرة، والإفراط في العقاب. ويوضح كيف يمكن لهذه الممارسات أن تُضعف ثقة الطفل بذاته، وتشوّه نظرته لنفسه وللعالم من حوله.
ولا يكتفي الكتاب بعرض المشكلات، بل يقدّم بدائل عملية تقوم على بناء علاقة صحية مع الطفل، قائمة على الإصغاء، والاحتواء، والحوار، ووضع حدود واضحة دون عنف. ويؤكد أن التربية ليست فرض سيطرة، بل بناء شراكة، وأن البيت يجب أن يكون مساحة أمان نفسي قبل أن يكون مكانًا للانضباط.
ويستند هذا الطرح إلى خبرة ميدانية طويلة للمؤلف ، الذي تعامل لسنوات مع الأطفال وأسرهم، ما منح الكتاب مصداقية نابعة من الواقع اليومي، لا من الطرح النظري المجرد.
وفي ختام رسالته، يقدّم «في بيتنا نسر» دعوة هادئة لإعادة التفكير في مفاهيم التربية السائدة، والتأكيد على أن الطفل لا يحتاج إلى كسر جناحيه ليهدأ، بل إلى من يفهمه، ويحتويه، ويساعده على التحليق بثقة.
كتاب موجّه لكل أب وأم يؤمنان بأن التربية وعي قبل أن تكون أسلوبًا، وأن بناء الإنسان يبدأ من البيت.














