بقلم :✍️ محمد بربر
( أديب ـ عضو اتحاد كتاب مصر)
في مصر، يبدأ الدين من القلب، وحبّ النبي الكريم نداء يوميّ على الألسنة، صلاة تسبق الكلام، وتهدئة تسبق الغضب، وطمأنينة تُقال قبل أي شيء: «صلّوا على النبي».
المصري لا ينطقها اعتباطا، ينطقها حبًّا. ومن هذا الحبّ الصافي، امتدّ الطريق إلى آل البيت. سكنوا الوجدان، وأقاموا في الذاكرة، وصاروا جزءًا من الحكاية المصرية نفسها.
حين جاءت السيدة زينب إلى مصر، جاءت مثقلة بالفقد، مكسورة القلب بعد كربلاء، فاستقبلها المصريون كما يُستقبل الأمان. فتحوا لها البيوت قبل الأبواب، والقلوب قبل الطرق. لم تسكن مصر فقط مصر هي التي سكنت فيها.
وحين عاشت السيدة نفيسة بين الناس، لم تكن عابدة منعزلة، كانت علمًا يُقصَد، ورحمة تُجاوَر، وصوتًا هادئًا في زمن مضطرب.
جلس عند بابها العلماء، ودخل مسجدها الإمام الشافعي، وصلّى، ودعا، وودّع الدنيا قريبًا من روحها.
هكذا أحبّ المصريون آل البيت: قربًا لا غلوّ فيه، ومودّة دون صخب، وتقديسًا لا يخرج عن إنسانية الدين.
بُنيت المساجد بأسمائهم، لتكون مواعيد يومية مع السكينة. السيدة زينب، السيدة نفيسة، الإمام الحسين، أسماء تتحوّل في الوعي الشعبي إلى معانٍ:
عدل، صبر، علم، رحمة.
ومن هذه العلاقة، تشكّل الإسلام المصري.
إسلام يعرف الطريق إلى الله من باب الرحمة، إسلام يتّسع للفرح، وللمولد، وللذكر، وللدمعة الخفية، إسلام لا يرى في القسوة بطولة، ولا في التشدد تقوى.
المصري لم يفصل يومًا بين حبّ النبي ﷺ وحبّ آل بيته.
رآهم امتدادًا للنور، لا موضوعًا للجدل، وحين حاول التشدد أن يجد له موطئ قدم، اصطدم بجدار صلب اسمه: وجدان الناس.
هذا الوجدان الذي يرى الدين حياة، لا معركة، رسالة، لا سيفًا، سكينة، لا صراخًا.
لهذا بقيت مصر، رغم العواصف، بلد الصلاة الهادئة، والدمعة الصادقة، والذكر الذي يشبه الغناء.
وبقي حبّ النبي ﷺ وآل بيته فيها، حبًّا بلا ضجيج،
عميقًا كالنيل، صافياً كالقلب حين يطمئن.
وهكذا تبقى مصر تمشي إلى الله بقلبٍ مفتوح، تحبّ نبيّها كما تُحبّ الحياة، وتحبّ آل بيته كما يُحبّ الأب أبناءه دون سؤال، لا ترفع صوتها بالدين، ولا تُشهر الإيمان سلاحًا، تكتفي بأن تترك أثر النور في الشوارع، في الدعاء، في وجوه الناس؛ هنا تصبح الصلاة سلامًا، والحبّ عبادة، ويصير الدين إنسانًا.














