بقلم: د.لمياء محسن
(دكتوراه الإذاعة والتلفزيون ،كلية الإعلام جامعة القاهرة)
لم يعد سقوط العالم حدثًا مفاجئًا، بل صار انكشافًا بطيئًا يحدث يوميًا وبشكل مكثف، حتى أصبح الانكشاف نفسه طقسا يوميا من طقوس الحياة.
سقوط للقيم التي ظنناها ثابتة، فإذا بها قابلة للتفاوض، والتأويل، والبيع.
سقوط للقُدُوات التي كنا نراها مثلًا أعلى منزّهًا عن الشك، فإذا بها بشرًا محكومين بالهوى والمصلحة.
يسقط العالم لا حين تنهار الأنظمة أو تفشل المؤسسات فقط، بل حين ينهار المعنى.
حين لا يعود الصواب واضحًا، ولا الخطأ مُدانًا، وحين تصبح اللغة مطاطية، قادرة على تبرير كل شيء، ونفي كل شيء في الوقت ذاته.
في تلك اللحظة، لا يشعر الإنسان بالغضب أولًا… بل بالحيرة.
ماذا يفعل الإنسان حين يفقد ثقته في العلماء؟ في صُنّاع القرار؟ في المؤسسات التي قيل له يومًا إنها “الضمان الأخير”؟
ماذا يفعل حين يكتشف أن القانون قد يعجز، وأن الأخلاق قد تُنتقى، وأن الجمال نفسه قد يُزوَّر؟
إن الأخطر من سقوط العالم الخارجي، هو سقوط الصور الذهنية التي كانت تمنحنا إحساسًا (زائفًا) بالأمان.
تلك الصور التي جعلتنا نتحمّل قسوة الحياة، لأننا كنا نؤمن أن هناك مرجعية ما، فكرة ما، معنى ما، يقف في الخلفية يحمي التوازن.
لا يبدأ الانكسار كبيرًا.
غالبًا يبدأ بخذلان صغير: شخص قريب، تجربة فاشلة، عدل لم يتحقق.
ثم تتسع الدائرة… ليصبح الخذلان وطنًا، ثم عالمًا، ثم فكرة عن الإنسان نفسه.
وفي لحظة ما، يجد الإنسان نفسه وحيدًا أمام سؤال لا مفر منه:
هل كل ما وثقتُ فيه كان وهمًا؟ وهل كل طريق سلكته كان ناقصًا؟.
هنا تحديدًا، لا يشعر الإنسان فقط بخيبة أمل، بل بفراغ داخلي عميق،
فراغ ناتج عن غياب المعنى، وعن الإحساس بأن لا شيء يستحق أن يُصدَّق بالكامل.
وخلافًا لما يُقال، الإنسان لا يفقد إيمانه حين يفكّر، بل يفقد أوهامه.
بعد كثرة التجارب، وبعد محاولات إصلاح، وبعد رهانات على البشر، يبدأ العقل في إدراك حقيقة قاسية:
أن كل مرجعية بشرية قابلة للسقوط، لأنها مرتبطة بالهوى، والسلطة، والضعف.
وهنا لا يهرب الإنسان من التفكير، بل يذهب به إلى نهايته.
حين يكتشف أن مشكلته لم تكن في غياب الطرق، بل في كثرتها.
وأن أزمته لم تكن في قسوة العالم، بل في غياب معيار ثابت لا يتبدل.
وهنا، لا يعود الإيمان فكرة موروثة، ولا ملاذًا عاطفيًا، بل اختيارًا واعيًا.
اختيار الثقة في ميزان لا يخضع للترند، ولا يتغير بتغير المصالح، ولا يخذل صاحبه عند أول اختبار.
إن النجاة لا تكون في فهم كل شيء، ولا في ضمان عالم متقلّب، بل في معرفة أين توضع الثقة حين يصبح كل شيء آخر قابلًا للانهيار.
وحين يفقد العالم بوصلته، لا ينجو الإنسان لأنه وجد طريقًا سهلًا،
بل لأنه أدرك، بعد كل هذا التيه، أن الثقة في الله ليست قفزًا في الظلام، بل تسليمًا واعيًا لمن يرى ما لا نراه، ويمسك بالمعنى حين يفلت من العالم.














