بقلم: آلاء صلاح محمد
(ماجستير فلسفة معاصرة، وباحثة أكاديمية متخصصة في فلسفه التكنولوجيا)
تعد الألعاب الإلكترونية من الظواهر الحديثة التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياة الأطفال والمراهقين في القرن الحادي والعشرين، فهي توفر لهم متعة وترفيهًا سريعًا وسهلاً، إلى جانب القدرة على التواصل الافتراضي مع أقرانهم. ومع ذلك، فإن هذا الانغماس في العوالم الرقمية يثير تساؤلات عديدة حول تأثيرها على السلوك الاجتماعي، إذ يظهر أن كثرة الانخراط في هذه الألعاب قد تقلل من التفاعل الواقعي مع الأسرة والأصدقاء، مما يخلق نوعًا من العزلة الاجتماعية. الأطفال الذين يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات يميلون إلى الاعتماد على العلاقات الافتراضية أكثر من العلاقات الحقيقية، وهو ما قد يؤثر على قدرتهم على تطوير مهارات التواصل المباشر وحل النزاعات بشكل سليم. كما أن الألعاب التي تتسم بالعنف أو التنافس الشديد قد تعزز من سلوكيات العدوانية أو التسلط عند بعض الفئات العمرية، ما يثير مخاوف تربوية وأخلاقية تستدعي التدخل من الأهل والمربين.
يتضح من الدراسات النفسية والاجتماعية أن الأطفال والمراهقين الذين يفرطون في ممارسة الألعاب الإلكترونية يواجهون صعوبة في التعبير عن مشاعرهم والتفاعل الإيجابي مع الآخرين. فالمهارات الاجتماعية الأساسية مثل التعاطف والمشاركة والاحترام المتبادل تتطلب ممارسات فعلية في الحياة الواقعية، بينما توفر الألعاب الرقمية بيئة مسيطرًا عليها مسبقًا تقلل من الحاجة إلى استخدام هذه المهارات. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تؤدي هذه الألعاب إلى تشتيت الانتباه وضعف القدرة على التركيز على المهام الجماعية، مما ينعكس سلبًا على الأداء الدراسي والعلاقات مع الزملاء. في بعض الحالات، يلجأ الأطفال إلى استخدام الشخصيات الافتراضية كدرع لحمايتهم من مواجهة المواقف الاجتماعية الصعبة، وهو ما يعزز شعورهم بالانعزال ويحد من قدرتهم على بناء صداقات حقيقية ومستقرة.
من الجوانب الأخرى الهامة أثر الألعاب الإلكترونية على نمط التواصل داخل الأسرة، إذ تميل بعض العائلات إلى السماح للأطفال والمراهقين بقضاء وقت طويل أمام الشاشات كوسيلة للتهدئة أو الترفيه، ما يقلل من فرص الحوار الأسري وتبادل الخبرات. هذا النمط من الانغماس الرقمي يخلق فجوة بين الأطفال ووالديهم، حيث تصبح العلاقة قائمة على المراقبة والقيود بدلاً من المشاركة والتوجيه الإيجابي. كما أن التعرض المستمر للمحتوى الموجه نحو العنف أو العدوانية في بعض الألعاب يعزز من السلوكيات المشابهة في الحياة اليومية، مما يزيد من حالات النزاعات الأسرية والصدامات بين الأبناء والآباء، ويعكس الحاجة الملحة لوضع استراتيجيات توازن بين استخدام التكنولوجيا وتعزيز الروابط الاجتماعية الواقعية.
على الصعيد النفسي، تشير الأبحاث إلى أن الإفراط في الألعاب الإلكترونية قد يؤدي إلى اضطرابات سلوكية تظهر في حياة الأطفال والمراهقين، مثل القلق والاكتئاب والشعور بالعزلة. فالألعاب توفر نوعًا من الهروب من الواقع، مما يجعل بعض اللاعبين يفضلون العالم الافتراضي على التعامل مع المشاكل اليومية. وقد يتطور هذا الميل إلى اعتماد نفسي قوي على الألعاب كوسيلة للتنفيس عن الضغوط، وهو ما يضعف من القدرة على مواجهة التحديات الاجتماعية والتكيف مع المواقف الصعبة. ومن هنا يظهر التأثير العميق للألعاب على الشخصية الاجتماعية، حيث يصبح الفرد أقل قدرة على بناء علاقات قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، وأكثر ميلاً للانعزال والانطواء.
تتعدد التأثيرات الإيجابية للألعاب الإلكترونية عند استخدامها بشكل معتدل وتحت إشراف مناسب، إذ يمكن أن تساعد على تطوير مهارات العمل الجماعي والتعاون عند المشاركة في ألعاب متعددة اللاعبين تتطلب التخطيط المشترك وحل المشكلات. كما أن بعض الألعاب التعليمية تساهم في تعزيز التفكير النقدي والإبداعي، وقد تساعد الأطفال والمراهقين على تعلم مهارات تقنية مهمة في عصر المعلومات. ومع ذلك، يبقى الاعتدال والتوجيه الأسري والتعليم التربوي أساسًا لتقليل التأثيرات السلبية وتعظيم الفوائد، حيث يجب أن تكون الألعاب جزءًا من أنشطة متنوعة تشمل الرياضة والتفاعل الاجتماعي الواقعي، لضمان تنمية شخصية متوازنة اجتماعيًا وعاطفيًا.
يلاحظ بعض الباحثين أن طبيعة الألعاب الإلكترونية التنافسية قد تعزز من شعور الأطفال والمراهقين بالنجاح الشخصي والانتصار، لكنها في الوقت نفسه قد تخلق إحباطًا وانزعاجًا عند الخسارة، مما يؤثر على سلوكهم في الحياة الواقعية. الأطفال الذين يعتادون على الفوز السهل في الألعاب الرقمية قد يواجهون صعوبة في تقبل الفشل والصعوبات اليومية، مما يزيد من التوتر والصدامات مع الأصدقاء والمعلمين. لذا، فإن تعزيز الوعي بالقيم التربوية والاجتماعية خلال ممارسة الألعاب يعد أمرًا ضروريًا لتعليم الأطفال كيفية التعامل مع النجاح والفشل بشكل صحي، مع الحفاظ على الاحترام والتعاون في جميع المواقف الاجتماعية.
تؤكد الدراسات الحديثة على أن الألعاب الإلكترونية تشكل جزءًا من الثقافة الرقمية التي تحيط بالجيل الجديد، وهو ما يستدعي استراتيجيات تعليمية مبتكرة لدمج هذه التكنولوجيا في حياة الأطفال بطريقة إيجابية. فالتفاعل مع الألعاب الرقمية لا يعني بالضرورة سلبيته، بل يعتمد على المحتوى، مدة اللعب، والرقابة التربوية. يمكن استخدام الألعاب كأداة لتعزيز مهارات التعاون وحل المشكلات، بشرط أن يتم تحديد أوقات اللعب، ومراقبة المحتوى، وتشجيع النقاش بعد اللعب لتعزيز فهم القيم الاجتماعية والتفاعل الإيجابي. هذا النهج يضمن أن يكون للأطفال والمراهقين تجربة تعليمية وترفيهية متوازنة تعزز من قدراتهم الاجتماعية بدلاً من عزلهم.
في الختام، يمكن القول إن الألعاب الإلكترونية تؤثر بشكل واضح على السلوك الاجتماعي للأطفال والمراهقين، سواء من حيث التفاعل مع الآخرين، أو بناء مهارات التواصل، أو التعامل مع المشاعر والضغوط اليومية. الفهم الواعي لهذه التأثيرات، والرقابة التربوية، وتوجيه استخدام الألعاب نحو المحتوى الإيجابي والتفاعلي، يمثل عناصر أساسية لتقليل المخاطر وتعزيز الفوائد. مع الالتزام بالتوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية، يمكن للأطفال والمراهقين الاستفادة من الألعاب الإلكترونية دون أن تؤثر سلبًا على تطوير شخصياتهم الاجتماعية وقدرتهم على المشاركة والتواصل الفعال مع الآخرين في المجتمع.














