في الوقت الذي يعيد فيه العالم رسم خارطة التجارة الدولية، برزت مدينة الإسكندرية هذا الأسبوع كمركز ثقل في نقاشات تطوير المنظومة اللوجستية، حيث لم يعد الرهان مجرد “تخليص جمركي”، بل تحول إلى استراتيجية أمن قومي واقتصادي تعتمد على التكامل بين الموانئ الجافة والبحرية والحلول الرقمية العابرة للحدود.
عقب اختتام أعمال مؤتمر التكنولوجيا التابع لمنظمة الجمارك العالمية (WCO)، لم يغادر الخبراء الدوليون والشركات العالمية الطاولة، بل اتجهوا مباشرة إلى الغرفة التجارية بالإسكندرية. هذا التحرك، كما يراه مراقبون، يمثل اعترافاً بالدور المحوري الذي تلعبه “شعبة مستخلصي الجمارك” كحلقة وصل لا غنى عنها بين التشريعات الدولية والتطبيق على أرض الواقع.
ما وراء “التحول الرقمي”
يرى محمد العرجاوي، رئيس شعبة مستخلصي الجمارك بالإسكندرية، أن التواصل المباشر من الشركات العالمية مع الشعبة ليس مجرد بروتوكول، بل هو “شهادة ثقة” في كفاءة الكادر المصري. ويقول العرجاوي: “نحن لا نتحدث فقط عن تسهيل التجارة، بل عن تطبيق الإطار المعياري العالمي (SAFE) لتأمين سلاسل الإمداد، وهو ما يعني تحويل الموانئ المصرية إلى نقاط خضراء آمنة وسريعة في آن واحد”.
تحالف “الحديد والبيانات”
الاجتماع الاستراتيجي الذي احتضنته الغرفة بدعم من أحمد الوكيل، رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية، عكس رؤية الدولة في دمج الأصول الثابتة (الموانئ الجافة والبحرية) مع الأصول المتغيرة (التكنولوجيا اللوجستية). وبحضور قيادات هيئة الموانئ الجافة ومصلحة الجمارك، تركزت النقاشات على تقليص “زمن التداول” – العملة الصعبة الحقيقية في عالم التجارة اليوم.
ولم يكن التمثيل محلياً فحسب، بل شهدت الطاولة حضور عمالقة التكنولوجيا اللوجستية مثل CargoX وSIMS WORLDWIDE، حيث تم استعراض حلول تعتمد على:
الأقفال الإلكترونية الذكية: تكنولوجيا تتيح تتبع الحاويات لحظياً.
الإنذار المبكر: أنظمة ذكاء اصطناعي تتنبأ بالمخاطر قبل وقوعها.
تكامل البيانات: لضمان شفافية كاملة بين المصدر والمستورد والجمارك.
بناء القدرات: الإنسان قبل الآلة
في ورشة عمل قادها الخبير الدولي دان جارسيا، تم تسليط الضوء على أن التكنولوجيا تظل “جسداً بلا روح” ما لم يدعمها عنصر بشري مؤهل. لذا، جاءت مشاركة قطاعات الموارد البشرية وبناء القدرات بمصلحة الجمارك لتؤكد أن تطوير المنظومة يعتمد على “ترقية” مهارات المستخلص الجمركي ليكون محللاً للبيانات وشريكاً في إدارة المخاطر، وليس مجرد وسيط إداري.
الخلاصة
بينما تسعى مصر لتعزيز تنافسيتها الإقليمية، تضع الإسكندرية نفسها كنموذج لتطبيق مخرجات منظمة الجمارك العالمية. إن التحول من الممارسات التقليدية إلى “الممرات الذكية” ليس مجرد رفاهية تقنية، بل هو ضرورة حتمية لضمان مكانة الموانئ المصرية على رادار الاستثمار العالمي.














