ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة.. وضيفتنا في هذه السطور الأديبة القاصة أميرة حامد، والتي أهدت بوابة الجمهورية والمساء أون لاين أحدث إبداعاتها في ثياب القصة القصيرة تحت عنوان “بليرينا”.. ننشرها عبر هذه السطور.
🍂
بليرينا
في مساء بارد، كان المسرح الصغير في النادي الثقافي غارقًا في صمته، إلا من ضوء باهت يسقط على فتاة وحيدة في المنتصف. جميلة، ذات السبعة عشر عامًا، كانت تمسك بحذاء باليه أبيض، تحركه بين أصابعها برفق، كما لو كانت تتحسس نبض حلمٍ ظلّ يقاوم السقوط
مرّت في ذهنها صور متلاحقة: فراشة صغيرة تحاول التحليق في غرفتها المتواضعة، بينما أم قلقة تقف خلف الباب تخشى عليها من الحياة. ريم ، الأخت الكبرى، تلتقط بكاميرا هاتفها كل خطوة، وأب صامت يرى في هذا الشغف نورًا لا يجب أن ينطفئ.
تنهدت جميلة وهي تتذكر الأيام الأولى، حين عادت إلى التدريب بعد إلحاح طويل. لم تكن السعادة كاملة؛ فقد كانت هناك نورا، زميلتها، التي كانت عيناها مليئتين بالغيرة. كانت نورا تحاول إحباطها بكلمات قاسية، تهمس بأن هذا الحلم أكبر من قدراتها.
ثم جاءت اللحظة التي اعتقدت فيها أن كل شيء قد انتهى. سقطة مدوية أثناء التدريب، وألم حاد في قدمها، أتبعه تشخيص بالإصابة الخطيرة. كانت الصدمة هائلة، والألم لا يُحتمل. اضطرت لترك التدريبات والخضوع للعلاج الطبيعي. في المستشفى، زارتها نورا، ولم تكن ابتسامتها تخفي شماتة مبطنة لكن دعم الكابتن باهر، مدرب الباليه، كان أقوى. لقد زارها، وأعطاها كلمات مشجعة، زرعت فيها الأمل والصلابة.
بمساعدة أختها ومدربها، استعادت جميلة قوتها ببطء. عادت إلى التدريب، ورغم عرجها البسيط، كانت إرادتها أقوى من أي ألم. كانت نورا تواصل مضايقتها، لكنها لم تكن تعرف أن هذا الغرور سيؤدي إلى نهايتها.
في ليلة العرض، كانت الأضواء تتلألأ والقلوب تخفق. في الكواليس، جاءت نورا وقدمت لها عصيرًا، ولكن ريم، التي كانت تراقب نورا من بعيد، شربت العصير بالخطأ وشعرت بالدوار. كانت محاولة يائسة من نورا لإفساد العرض، لكنها لم تكن تعرف أن الشغف الحقيقي لا يمكن إحباطه.
حين فتحت عينيها، ارتدت الحذاء، واعتدلت على أطراف أصابعها. أمامها الستارة الحمراء المغلقة، ثقيلة وخلفها جمهور لا يعرف قصتها.
الموسيقى انطلقت من مكبر الصوت العتيق، فجعلت جسدها يروي الحكاية التي لم تجد لها يومًا كلمات. كل دوران كان ردًا على الشك، وكل قفزة إعلانًا أنها لم تُهزم.
انفتحت الستارة ببطء، وانسكب الضوء على ابتسامة والديها في الصف الأول. في تلك اللحظة، لم تعد جميلة مجرد فتاة تحلم… لقد صارت باليرينا.
🍂
يذكر أن الكاتبة أميرة حامد قاصة وكاتبة سيناريو وحاصلة على دورة كتابة السيناريو عضو نادي أدب بورسعيد ، مسؤولة النشاط الثقافي بقصر ثقافة بورسعيد.














