بقلم : كريمة الحسيني
(ماجستير الترجمة ، كلية الألسن جامعة قناة السويس)
ربما سمعت هذه العبارة من قبل إذا كنت تبحث كثيرًا في مجال الترجمة، لكن هل فكرت يومًا: لماذا يُتّهم المترجم بالخيانة؟
لنجيب عن هذا السؤال، دعنا أولًا نلقي نظرة على الترجمة الأدبية. هذا المجال يشبه البحر في اتساعه: كلما أخذت منه لم ينفد. الترجمة الأدبية تُعَدّ أصعب أنواع الترجمة، لأنها لا تقتصر على نقل الكلمات والحروف، بل تتجاوز ذلك إلى نقل المعنى والإحساس والبعد الثقافي الذي يحمله النص من لغة إلى أخرى.
تتطلب الترجمة الأدبية جهدًا مضاعفًا، لكنها تستحق العناء؛ فهي جسر بين الفن والحياة وتسمح للقارئ بالشعور وكأنه يقرأ النص الأصلي لا مجرد نسخة مترجمة. ومن هنا جاءت تسمية المترجم بالخائن؛ إذ قد يضطر أحيانًا إلى تغيير بعض التفاصيل أو التعبيرات ليحافظ على المعنى كاملًا، فيكون مخلصًا للنص في جوهره ومبتكرًا في أسلوبه.
تقول الثقافة الشعبية: “من تعلم لغة قوم آمن مكرهم”. والأصل في الترجمة هو الإحاطة التامة باللغة المصدر واللغة الهدف. لكن في الترجمة الأدبية تحديدًا، يجد المترجم نفسه أمام عالم واسع مليء بالعناصر الثقافية التي يجب استيعابها قبل البدء في ترجمة نصوص تتعلق بها؛ فالمترجم لا يترجم كلمات فحسب، بل ينقل ثقافة شعب كامل بعاداته وتقاليده وطباعه ويفتح أمام القارئ أبوابًا لعوالم جديدة وشخصيات مختلفة وتجارب إنسانية ثرية.
رغم تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، ما زالت الترجمة الأدبية تواجه تحديات معقدة؛ فكيف يمكن للبرامج أن تنقل الأسلوب الأدبي بدقة، بكل ما يحمله من مشاعر ورهافة، كما هو الحال في الشعر؟ وكيف ستتمكن من إيصال الفكاهة أو الرسائل الخفية بين السطور؟ هنا يتجلى دور المترجم بخبرته ومهارته، حيث يحافظ على روح النص كي لا يفقد معناه. والسؤال يظل قائمًا: إذا اكتفى المترجم بالاعتماد على الآلة دون الرجوع إلى المراجع الأدبية وفهم الاختلافات الثقافية؛ فكيف ستُترجم التعابير الثقافية أو الأمثال الشعبية ترجمة دقيقة؟
ولعل تجربة المترجمة الألمانية كلاوديا أوت مثال ملهم على ذلك؛ فقد اختارت عام ٢٠٠٤ ترجمة “ألف ليلة وليلة” إلى الألمانية انطلاقًا من أصولها العربية الأولى، طبعة الباحث العراقي محسن مهدي عام ١٩٨٤ وكان هدفها من ذلك أن تتيح للقارئ الألماني نافذة يطلّ منها على سحر الشرق بما يحمله من قصائد وأمثال شعبية وعناصر ثقافية جذابة.
وفي ورشة أقامتها جامعة نزوى بعُمان، أوضحت أوت منهجيتها الدقيقة في عملية الترجمة الأدبية؛ حيث إنها تبدأ بالبحث عن النص الأصلي ثم إعداده لغويًا يلي ذلك الترجمة الأولية يدويًا ثم قراءة الترجمة ومناقشتها مع الجمهور؛ فمراجعتها في دار النشر، وأخيرًا مقارنتها بالأصل قبل الطباعة. هذه الخطوات لا تكشف فقط عن جديتها، بل عن إيمانها بأن الترجمة الأدبية حوار حيّ مع النص ومع القارئ في الوقت نفسه.
ما يميز أوت أكثر هو شجاعتها في فتح بيتها لمناقشة ترجماتها مع القرّاء؛ حيث تستمع مباشرة إلى آرائهم وانطباعاتهم؛ فتمنح أعمالها حياة تنبض بالروح وتتجاوز حدود الورق وقد لمستُ بنفسي جانبًا آخر من شخصيتها حين تواصلت معها بخصوص أبحاثي عنها وعن أعمالها؛ فوجدت فيها تواضعًا وتعاونًا حقيقيًا؛ إذ ردّت عليّ برحابة صدر وقدّمت لي مراجع أفادتني كثيرًا. وهذه السمات – التواضع والتعاون – أراها من أهم ما يميز المترجم الناجح؛ لأنها تجعله أقرب إلى القارئ وأكثر صدقًا.
في النهاية، أؤمن أن الترجمة الأدبية ليست مجرد عملية نقل للنصوص، بل هي فعل إبداعي يربط بين حضارتين ويمنح النص حياة جديدة في لغة أخرى والمترجم الناجح لا يكتفي بأن يكون جسرًا بين لغتين، بل يصبح جسرًا بين عالمين كاملين. ومن هنا، فإن الخيانة المزعومة ليست إلا نوعًا آخر من الإخلاص: إخلاص للمعنى وللثقافة وللإنسان في كل لغة.













