في إطار مبادرة قطاع المسرح برئاسة المخرج هشام عطوة “١٠٠ ليلة عرض” والتي ينظمها البيت الفني للمسرح لفرقة مسرح الإسكندرية، بقيادة المخرج محمد مرسي، يقدم المخرج أشرف علي عرضه المسرحي “اضغط لفتح العبوة”، بوصفه اشتباكا واعيا مع واحدة من أكثر القضايا إلحاحا في الراهن المصري: تفكك البنية الأسرية تحت وطأة الضغوط الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والثقافية.
العرض يبدأ من الخاتمة. انفجار عبوة ناسفة يودي بحياة ثلاثة أشخاص، ليجعل من النهاية نقطة انطلاق سردية وجمالية في آن. ومن هذه الذروة التراجيدية، يبدأ العمل في تفكيك المسارات التي قادت إليها، عبر تقنية الاسترجاع، بوصفها أداة درامية، واعتبارها آلية تحليل نفسي واجتماعي، تستبطن منطق “الضغط المتراكم” داخل الخلية الأسرية، حيث يتحول القمع الصامت إلى طاقة تدميرية كامنة، تنتظر فقط لحظة الاشتعال.
هنا، لا يقدم العرض تفسيرا قدريا أو اختزاليا، هو ينخرط في مساءلة بنيوية للعلاقات الأسرية المختلة، كاشفا عن شبكة معقدة من العوامل المتداخلة: سلطة أبوية مغلقة، أمومة مستسلمة أو غائبة، أبناء محاصرون بالمنع والكبت، وعالم خارجي يضاعف الضغوط بدلا من أن يخففها.
المسرح كستوديو: تفكيك الواقع عبر الضوء والمكان
اختيار المخرج أشرف علي لتحويل صالة العرض إلى ستوديو تلفزيوني لحلقة حوارية مباشرة، وكان خشبة المسرح شاشة عرض فالمسرح هنا لا يحاكي الواقع فقط، بل يعيد إنتاج آلياته، واضعا المتفرج في موقع “الشاهد ـ المحاور ـ القاضي” ، ومحررا العرض من قوالب السرد التقليدية.
هذا الإطار الإعلامي يخلق مسافة نقدية ذكية بين الحدث وتمثيله، ويتيح تنويع مستويات الخطاب بين الاعتراف، والمواجهة، والاستجواب، والتبرير، في بنية أقرب إلى التحقيق الاجتماعي الحي. وهنا تنجح الرؤية الإخراجية في كسر الجدار الرابع، ليس عبر التفاعل المباشر، وإنما عبر إشراك المتلقي في عملية التفكيك والتأويل، بحيث يصبح السؤال الأخلاقي مطروحًا عليه بقدر ما هو مطروح على الشخصيات.
جاء تصميم الديكور لندى عبد العظيم شديد الدلالة، قائما على تقسيم الفضاء المسرحي إلى ثلاث طبقات رأسية وأفقية، تشكل في مجموعها خريطة رمزية للعلاقات داخل الأسرة:
أعلى المسرح: غرف الأبناء، في إشارة بصرية إلى العزلة والانفصال والانسحاب من المجال العائلي العام.
خشبة المسرح: غرفة المعيشة حيث يجلس الآباء، بوصفها منطقة السلطة والتقليدية والرقابة.
أسفل المسرح: الشارع / فضاء الحوار، باعتباره منطقة التماس والصراع والمكاشفة.
هذا التكوين ظل في حالة حراك مستمر بفعل الإضاءة التي صممها معاذ مدحت، حيث لعب الضوء دور المونتاج المسرحي، متنقلا بين الأزمنة والأمكنة، ومانحا العرض إيقاعا سينمائيا مكثفا، يعزز من ديناميكية المشاهد دون أن يفقدها عمقها النفسي.
الأداء: فسيفساء إنسانية من الألم

تميز العرض بمجموعة أداءات جماعية منضبطة، نجحت في تقديم بانوراما إنسانية شديدة الثراء، رغم وقوع بعض الشخصيات في فخ النمطية والمبالغة.
محمد شعبان في دور مقدم البرنامج، أدى وظيفة الرابط الدرامي بين الخطوط السردية، بحضور متزن يوازن بين الحياد المهني والانفعال الإنساني.
جانا عادل جسدت بصدق معاناة الفتاة الواقعة تحت وطأة القيود الدينية والأسرية، في أداء مشحون بالتوتر الداخلي والكبت.
أكرم نجيب قدم نموذج الأب المتشدد الذي يوظف الخطاب الديني كأداة للسيطرة، بأداء صارم يمزج القسوة بالمفارقة الكوميدية ليكشف آليات القمع الناعم.
رويدة إمام في دور الأم المستسلمة، نجحت في نقل هشاشة المرأة المحاصرة بين الخوف والتواطؤ الصامت.
محمد سلطان في دور الخطيب، قدم نموذجا مركبا للابتزاز العاطفي والإلكتروني، بحضور ينزلق تدريجيا من الوداعة إلى التهديد.

بثينة علاء في دور الفتاة الثرية الباحثة عن الحب، جسدت فراغ الطبقة المرفهة وعطشها العاطفي.
شريهان زاهر قدمت صورة الأم الغارقة في وسائل التواصل الاجتماعي، المنفصلة عن عالم أبنائها.
محمد فريد جسد نموذج الأب الغائب رغم حضوره الجسدي، بأداء بالغ الاقتصاد والدلالة.
ميرنا محمد في دور الأم المناضلة لإنقاذ ابنها من الإدمان، قدمت أحد أكثر الأدوار كثافة شعورية في العرض مزجت بين خفة الظل والحضور العاطفي.
مروان محمود في دور لاعب الكرة المعتزل الساقط في براثن الإدمان، جسّد الانكسار الذكوري بخليط من المرارة والعجز.
ملك الكردي في دور الأخت الداعمة، مثلت صوت التعاطف والنجدة داخل العائلة.
أحمد صدام في دور تاجر المخدرات، قدّم أداء كوميديا غنائيا محسوبا، يخفف من قتامة السياق دون أن يفرغه من دلالته. كل التحية والمحبة لكل فريق العرض.
دراما الواقع: من المشهد اليومي إلى السؤال الوجودي
القيمة الكبرى للعرض تكمن في انحيازه الصريح لدراما الواقع اليومي، دون السقوط في الخطابية. الشخصيات ليست رموزا مجردة، هي نماذج حية، نعرفها ونصادفها ونعيش معها. وهنا يتحول المسرح إلى مرآة اجتماعية كاشفة، لا تفضح بقدر ما تطرح الأسئلة، ولا تدين بقدر ما تفهم. العرض لا يقترح حلولا جاهزة، بل يحاول أن يفتح أفق التفكير، مؤكدا أن الأزمة الأسرية ليست نتاج فرد واحد، هي نتيجة منظومة علاقات مختلة، تحتاج إلى إعادة بناء على أساس الحوار، والاعتراف، والتعاطف.
يقدم “اضغط لفتح العبوة” تجربة مسرحية تحاول تحويل المأساة الفردية إلى سؤال جمعي، وفي مساءلة بنية الأسرة المصرية في زمن الضغوط القصوى. عرض يغوص في طبقات المجتمع العميقة، بحثا عن لحظة الشرارة الأولى. إنه مسرح يشتبك مع الواقع ويستثمر أدواته الجمالية بوعي ليذكرنا بأن الأسرة كيان هش، يحتاج إلى رعاية دائمة، قبل أن يتحول إلى عبوة موقوتة تنتظر لحظة الضغط الأخيرة.
عرض يستحق المشاهدة، والتأمل، وإعادة التفكير.














