قراءة نقدية في كتاب “تفكيك خطاب التطرف الديني” للدكتور خليفة الظاهري
بقلم: د.صابرين زغلول (أستاذ الفلسفة)
ويتجدد اللقاء مع عرض للرؤي النقدية لإبداعات كتاب وأدباء أبناء أرض الكنانة والكتاب العرب.. وتعرض بوابة “الجمهورية والمساء أون لاين” في هذه السطور قراءة فلسفية نقدية للدكتوره صابرين زغلول “أستاذ الفلسفة”،حول كتاب “تفكيك خطاب التطرف الديني” للدكتوره خليفة الظاهري مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.
🍂
حين تُدقّ أجراس الحرب باسم السماء، وحين يُسفك الدم بذريعة الإيمان، وحين يُصبح الدين – هذا المعطى الأنطولوجي الأعمق في الوجود الإنساني – مبرراً للقتل والتدمير، فإننا نقف أمام أزمة مزدوجة المستوى: أزمة في فهم النص الديني من جهة، وأزمة في طبيعة الإنسان المعاصر الذي يُحوِّل المقدس إلى أداة للدمار من جهة أخرى. صحيح أن التاريخ البشري عرف – عبر حقب مختلفة – أشكالاً متنوعة من العنف المُلتحف بعباءة القداسة، لكن ما يميز اللحظة الراهنة هو ذلك التقاطع المرعب بين ثلاثة عوامل متفاعلة: تحريف منهجي ممنهج للنصوص الدينية، أزمة هوية حادة في العالم الإسلامي تبحث عن مخرج ولو كان عنيفاً، وعولمة رقمية تُسرّع انتشار الخطاب المتطرف بسرعة لم يشهدها التاريخ من قبل.
في هذه المنطقة الملتبسة والخطرة، بين الحقيقة والتأويل، بين الرحمة والعنف، بين الإيمان الصادق والأيديولوجيا القاتلة، يأتي كتاب “تفكيك خطاب التطرف الديني” للدكتور خليفة الظاهري ، ليس كمجرد دراسة أكاديمية تقليدية تُضاف إلى آلاف الدراسات حول التطرف، بل كمشروع فلسفي حضاري طموح يطرح الأسئلة الجوهرية التي يتجنبها الكثيرون: كيف نستعيد الدين من أيدي مُحرِّفيه دون أن نقع في شرك التنازلات العقدية؟ كيف نُفكك الخطاب المتطرف لنُعيد بناء خطاب التسامح والرحمة دون أن نُفرغ الدين من مضمونه الروحي والأخلاقي؟ والأصعب من ذلك كله: كيف نُمارس هذا التفكيك النقدي دون أن نقع في فخ العدمية أو النسبية المطلقة التي تجعل كل شيء متساوياً ولا شيء ذا قيمة؟
الكتاب، يمتد عبر 593 صفحة موزعة بعناية على ثلاثة أبواب رئيسية تضم أكثر من 127 نتيجة بحثية، يُمثل تجربة فكرية استثنائية تجمع بين صرامة المنهج الفلسفي وعمق الفقه الإسلامي والتزام المثقف بقضايا عصره الملحة. إنه ليس مجرد تشخيص بارد للداء، بل هو أيضاً بحث دؤوب ومتأنٍ عن الدواء؛ ليس مجرد نقد سلبي هدّام للخطاب المتطرف، بل هو في الوقت نفسه بناء إيجابي لخطاب بديل يسعى لاستعادة الجوهر الرحماني للإسلام من براثن الاختطاف الأيديولوجي. ولعل أهم ما يميز هذا العمل الفكري هو قدرته الفذة على الجمع بين ثلاثة مستويات غالباً ما تبقى منفصلة في الدراسات الأكاديمية: التنظير الفلسفي الرصين الذي يحفر في الأسس المعرفية، التحليل التاريخي والاجتماعي الذي يضع الظاهرة في سياقاتها الواقعية، والبُعد التطبيقي العملي من خلال دراسة معمّقة للتجربة الإماراتية في مكافحة التطرف.
أولاً: التفكيك بوصفه استراتيجية معرفية – لا هدماً بل فحصاً للبنية
قد يتساءل القارئ: لماذا “التفكيك”؟ ألا يحمل هذا المصطلح شحنة سلبية، إيحاءً بالهدم والتقويض؟ لكن هذا سوء فهم شائع. التفكيك، بالمعنى الفلسفي الدقيق، ليس هدماً عدمياً، بل هو استراتيجية معرفية لفهم كيف تُبنى المعاني، وكيف تتشكل الخطابات، وأين تكمن نقاط ضعفها وتناقضاتها الداخلية. إنه، إن صح التعبير، عملية “تشريح فكري” دقيقة تكشف عن الآليات الخفية التي يعمل بها الخطاب.
يُدرك الظاهري، بحسّ نقدي رصين نابع من تمرس طويل في الفكر الإسلامي المعاصر، أن مواجهة التطرف لا يمكن أن تكون بالوعظ الأخلاقي المباشر أو الخطابة الحماسية، ولا حتى بالقوة الصلبة وحدها – وإن كانت ضرورية أحياناً – بل تبدأ، بتفكيك دقيق ومنهجي للبنية المفاهيمية والمعرفية التي يقوم عليها الخطاب المتطرف. التفكيك هنا منهج محكم وصارم يسعى لكشف التناقضات الداخلية للخطاب المتطرف، وإظهار الثغرات والشروخ في بنيته المنطقية، وفضح الانتقائية الفاضحة في قراءته للنصوص المقدسة. إنه، بتعبير أدق وأكثر دلالة، “حفريات في المفاهيم” تحفر بصبر الباحث ودقة المحقق في طبقات التأويلات المتراكمة عبر القرون، طبقة فوق طبقة، لتصل إلى المعنى الأصيل للنص الديني المطمور تحت ركام الأيديولوجيا والتحريف.
والحق أن الكتاب يبدأ من حيث ينبغي أن يبدأ كل بحث علمي رصين: بتحديد المفاهيم. لكن هذا التحديد ليس مجرد تعريفات لغوية جامدة، بل هو حفر في التاريخ الدلالي للمصطلحات، وكشف عن السياقات التي نشأت فيها، والاستخدامات التي تطورت عبرها. فـ”التطرف” و”الخطاب” و”التفكيك” ليست مفاهيم بريئة أو محايدة، بل هي محملة بتواريخ وصراعات وتأويلات متعددة. هنا تكمن قوة المنهج: في إدراكه أن المعركة ضد التطرف هي، قبل كل شيء، معركة في حقل اللغة والمفاهيم، معركة على السلطة الرمزية لتحديد المعنى.
ولعل من أبرز ما يلفت الانتباه في هذا المنهج هو وعيه العميق بما يمكن تسميته “نظرية المعرفة عند الخطاب المتطرف”. فالمتطرفون لا يقدمون مجرد تأويل مختلف للنصوص، بل يؤسسون لنظرية معرفة كاملة تدعي احتكار الحقيقة، ترفض التعددية التأويلية، وتُكفّر كل من يخالفها. هذه النظرية المعرفية الجزمية تستند إلى ثلاث دعائم خطيرة: أولاً، القراءة الحرفية الانتقائية للنصوص التي تتجاهل السياق والتطور التاريخي.
ثانياً، رفض الاجتهاد والتجديد باعتبارهما “بدعة” أو “انحرافاً”. ثالثاً، احتكار سلطة التفسير ورفض الاعتراف بشرعية المؤسسات الدينية التقليدية.
في مواجهة هذه النظرية المعرفية المغلقة، يُقدم الظاهري نظرية معرفية منفتحة تعترف بتعددية القراءات، وتاريخية الفهم، وضرورة الاجتهاد المستمر – دون أن يقع في النسبية المطلقة التي تُلغي أي معيار للحقيقة.
ثم يُقدم الكتاب بُعداً تأويلياً بالغ الأهمية: كيف يتحول النص من رسالة رحمة إلى أداة قتل؟ الإجابة تكمن في التأويل المُغرض الذي يمارسه المتطرفون: انتقاء النصوص، عزلها عن سياقاتها التاريخية والمقاصدية، قراءتها قراءة حرفية ساذجة، وإسقاطها على واقع مختلف تماماً عن واقع النزول.
هنا يُؤسس الظاهري لمنهجية تأويلية بديلة تقوم على خمسة محددات حاسمة: السياق التاريخي، المقاصد الكلية، التكامل النصي، اعتبار المآلات، ومراعاة تغير الأزمنة والأحوال.
هذه المنهجية ليست ابتكاراً من فراغ، بل هي استعادة للتراث الأصولي الإسلامي في أبهى تجلياته، حيث كان الفقهاء يُدركون أن “تغير الأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال” ليس خروجاً عن الدين، بل هو عين الفقه.
ثانياً: الأنثروبولوجيا النقدية للتطرف
لايكتفي الظاهري بالتحليل النظري، بل يحفر في الجذور الحقيقية للتطرف. والحقيقة الأولى: التطرف ليس له سبب واحد، بل هو نتيجة تشابك عوامل متعددة.
نفسياً: شاب مهمش يبحث عن هوية وانتماء، يريد تعويض إخفاقاته بانتصار أيديولوجي وهمي.
اجتماعياً: الفقر، البطالة، التفكك الأسري، النظام التعليمي الفاشل، غياب العدالة – كلها تخلق “بيئة حاضنة” للتطرف.
دينياً (وهذا الأخطر): تحريف المفاهيم الإسلامية – الحاكمية، التكفير، الجهاد، الولاء والبراء – وتحويلها إلى أسلحة أيديولوجية. المتطرفون لم يخترعوا مفاهيم جديدة، بل سرقوا مفاهيمنا وحرّفوها بتخطيط دقيق.
لكن السؤال النقدي: هل يكفي تصحيح المفاهيم؟ لا. الظاهري يُدرك أن المفاهيم المحرفة تنمو في تربة الاستبداد والفساد والإحباط. لذلك المواجهة يجب أن تكون شاملة: إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي وتعليمي، وليس مجرد “معركة أفكار”. وهذا ما فعلته التجربة الإماراتية التي ترجمت الأفكار إلى سياسات عملية.
ثالثاً: تتبع أصول الفكر المتطرف – من المودودي وقطب إلى الإخوان والسرورية وداعش
ثم ينتقل الكتاب إلى تتبع تاريخي دقيق لأصول هذا الفكر وتحولاته المأساوية عبر الزمن. يكشف الظاهري، بدقة المؤرخ الصبور وعمق الفيلسوف المتأمل، كيف أن الحركات الإرهابية المعاصرة ليست “نبتاً شيطانياً” ظهر فجأة من العدم كما يحلو للبعض أن يتصور، بل هي – وهنا تكمن المأساة – امتداد منطقي وتطور طبيعي، وإن كان مشوهاً، لتيار فكري بدأ مع أبي الأعلى المودودي وسيد قطب في منتصف القرن العشرين. هذان المفكران – وإن كانا يختلفان في بعض التفاصيل والسياقات التاريخية – أسسا، ربما دون أن يدركا كل العواقب المترتبة، لأيديولوجيا التكفير والعنف من خلال ثلاثة مفاهيم مركزية شكلت نواة صلبة لكل ما تلاها من تطرف: مفهوم “الحاكمية” (بوصفها حق الله المطلق الذي لا يُشاركه فيه أحد، وليس مجرد مبدأ عقدي)، مفهوم “جاهلية المجتمعات” المعاصرة (وهي وصمة قاتلة تبرر العنف الشامل ضدها)، ومفهوم “العزلة الشعورية” عن المجتمع (بوصفه مجتمعاً كافراً يجب اعتزاله روحياً أو تغييره بالقوة المسلحة).
من هذه النواة الفكرية، يتتبع الظاهري بدقة متناهية كيف تطورت هذه الأفكار عبر ثلاث محطات رئيسية:
أولاً: جماعة الإخوان المسلمين، التي شكلت الحاضنة الأولى لهذا الفكر وأسست للبنية التنظيمية التي حولت الأفكار النظرية إلى حركة سياسية منظمة. الإخوان، كما يُظهر الكتاب، لم يكونوا مجرد حركة دينية، بل كانوا مشروعاً سياسياً شمولياً يسعى لإعادة تشكيل المجتمع والدولة وفق رؤية أيديولوجية محددة. ومع أن الإخوان تنوعت أساليبهم عبر الزمن، إلا أن الجذر الفكري بقي واحداً: رفض الدولة الوطنية، تكفير المجتمعات، والسعي لإقامة “الخلافة” كبديل وحيد مقبول.
ثانياً: التيار السروري، الذي يُمثل تطوراً خطيراً في مسار الفكر المتطرف. السرورية – كما يحللها الظاهري بعمق – جمعت بين الفكر الإخواني السياسي والتشدد الوهابي، مُنتجة خليطاً متفجراً يجمع بين التنظير السياسي الثوري والتشدد الديني المفرط. هذا التيار، رغم محدودية انتشاره الجغرافي، كان له تأثير كبير في تشكيل جيل كامل من الشباب المتطرف في الخليج وخارجه.
ثالثاً: تنظيم داعش، الذي يُمثل الذروة المأساوية لهذا المسار الفكري. داعش، كما يُبين الظاهري، لم يأتِ من فراغ، بل هو التطبيق الحرفي والأكثر وحشية لكل المفاهيم المحرفة التي أسس لها من سبقوه. داعش حول “الخلافة” من حلم نظري إلى واقع دموي، وحول “التكفير” من فتوى نادرة إلى ممارسة يومية، وحول “الجهاد” من دفاع عن الأرض والعرض إلى عدوان وحشي على كل من يخالف رؤيته الضيقة للإسلام.
هذه المفاهيم الثلاثة ليست مجرد أفكار نظرية، بل هي “عُدَّة أيديولوجية” تُنتج عنفاً حقيقياً. فحين تُوصف المجتمعات بأنها “جاهلية”، وحين يُقال إن الحكم لله وحده (مع تأويل هذا بأنه يعني رفض أي نظام حكم بشري)، وحين يُدعى الشباب إلى العزلة الشعورية عن مجتمعاتهم، فإن النتيجة المنطقية الحتمية هي العنف والإرهاب. هنا يكمن خطر الأيديولوجيا: في قدرتها على تحويل الأفكار إلى رصاص، والمفاهيم إلى قنابل.
رابعاً: البناء الفلسفي البديل – من النقد إلى التأسيس
لكن الكتاب – وهنا تكمن أهميته الفلسفية الكبرى – لا يكتفي بالتشخيص والنقد، بل ينتقل إلى مرحلة التأسيس والبناء. يُقدم الظاهري “محددات منهجية” لتفكيك الخطاب المتطرف وبناء خطاب بديل، محددات تقوم على أربعة أسس فلسفية ودينية:
الأساس الأول هو وحدة الأصل البشري والمشترك الإنساني. هذا ليس مجرد مبدأ أخلاقي مجرد، بل هو حقيقة وجودية تؤسس لعلاقة جديدة مع الآخر. إذا كنا جميعاً من أصل واحد، وإذا كرَّم الله الإنسان بما هو إنسان (لا بما هو مؤمن أو كافر)، فإن أي عنف ضد الإنسان هو عنف ضد هذا التكريم الإلهي نفسه.
الأساس الثاني هو فلسفة القيم: السلام، الرحمة، الحكمة، العدل، الحرية. هذه ليست قيماً هامشية في الإسلام، بل هي مقاصده الكبرى. يُعيد الظاهري قراءة الإسلام من خلال منظور مقاصدي يجعل هذه القيم هي المعيار الذي تُفهم في ضوئه النصوص وتُطبَّق الأحكام.
الأساس الثالث هو التعددية الوجودية: الاختلاف سنة كونية وليس شراً يجب إزالته. هذا المبدأ – الذي يستند إلى آيات قرآنية صريحة – يقطع الطريق على كل أشكال الإقصاء والعنف باسم توحيد الناس على عقيدة واحدة.
الأساس الرابع هو التأويل المقاصدي: فهم النصوص في ضوء مقاصدها الكلية وسياقاتها التاريخية وتطور الأحوال. هذا المبدأ يُحرر الدين من أسر القراءة الحرفية الساذجة، ويجعله قادراً على الاستجابة لتحديات العصر دون أن يفقد هويته.
خامساً: التجربة الإماراتية – حين تتحول الأفكار إلى واقع معاش
وحين ينتقل الكتاب إلى دراسة التجربة الإماراتية، فإنه يُظهر كيف يمكن للفلسفة السياسية أن تتجسد في ممارسة سياسية فعلية حقيقية. الإمارات لم تكتف بإدانة التطرف خطابياً، بل ترجمت فلسفة التسامح والتعايش إلى منظومة شاملة ومتكاملة تضم: المستوى القانوني (قوانين صارمة لمكافحة التطرف والتمييز والكراهية)، المستوى المؤسسي (مراكز متخصصة مثل “هداية” العالمي لمكافحة التطرف، ومراكز “المناصحة” لإعادة تأهيل المتطرفين)، والمستوى الوثائقي الرمزي (وثيقة الأخوة الإنسانية التاريخية، إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية، وميثاق حلف الفضول الجديد).
هذه الوثائق الثلاث تُمثل لحظة فارقة في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر. فهي لا تُقدم مجرد إدانة للتطرف، بل تُؤسس لعقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة والمساواة والتعايش. وحين يُوقع على وثيقة الأخوة الإنسانية شيخ الأزهر والبابا فرانسيس معاً في أبوظبي، فإن هذا تجسيد رمزي لإمكانية التعايش بين الأديان، تجسيد يُكذِّب خطاب “صدام الحضارات” ويفتح أفقاً جديداً للحوار والتعاون.
خاتمة:
في نهاية هذه القراءة الفلسفية النقدية لكتاب “تفكيك خطاب التطرف الديني”، يتضح لنا أننا أمام عمل فكري استثنائي يُمثل إضافة نوعية حقيقية للمكتبة العربية والإسلامية. هذا الكتاب ليس مجرد دراسة أكاديمية تُضاف إلى رفوف المكتبات، بل هو “بوصلة فكرية” ضرورية لكل من يسعى لفهم ظاهرة التطرف في جذورها العميقة، ولكل من يبحث عن منهجية علمية رصينة لمواجهة هذه الآفة.
أهمية الكتاب تكمن في أربعة أبعاد رئيسية:
أولاً: قدرته على الجمع بين العمق الفلسفي والتحليل التاريخي والبُعد التطبيقي في نسيج واحد متماسك، وهو ما يندر في الدراسات الأكاديمية المعاصرة.
ثانياً: تقديمه لمنهجية متكاملة للتفكيك والبناء معاً، فهو لا يكتفي بنقد الخطاب المتطرف، بل يُقدم البديل الفلسفي والفقهي المتماسك.
ثالثاً: ربطه العضوي بين النظرية والتطبيق من خلال دراسة التجربة الإماراتية، وهو ما يُخرج الكتاب من دائرة التنظير المجرد إلى أفق الممارسة الواقعية.
رابعاً: تأسيسه لعقلانية دينية متجددة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الالتزام بالثوابت والانفتاح على العصر، بين الحفاظ على الهوية والقدرة على التجديد.
لكن علينا أن نكون واقعيين: المعركة ضد التطرف معركة طويلة الأمد تتطلب جهوداً متضافرة على مستويات متعددة. الكتاب يُقدم الإطار الفلسفي والمنهجي الضروري، لكن التطبيق الفعلي يحتاج إلى إرادة سياسية، وموارد اقتصادية، وحركة اجتماعية واسعة. والأهم: كيف نحمي الجيل القادم في عالم رقمي مفتوح حيث الخطاب المتطرف متاح بضغطة زر؟
في هذه المعركة الطويلة والمعقدة، يُقدم الدكتور خليفة الظاهري – بكتابه “تفكيك خطاب التطرف الديني” – سلاحاً فكرياً حاداً وضرورياً، بوصلة منهجية واضحة تُرشد الباحثين والمفكرين والسياسيين إلى الطريق الصحيح: طريق العقل والرحمة والإنسانية، طريق الإسلام الحقيقي الذي أُرسل رحمة للعالمين.













