بقلم ✍️ تسنيم عمار
(باحث ماجستير، نائب مدير المشروعات بالمنظمة العالمية لخريجي الأزهر)
في عالم يتسم بالتغير السريع وعدم اليقين، لم تعد المخاطر أمرًا استثنائيًا يمكن تجاهله، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من واقع المؤسسات والأفراد على حد سواء. من هنا تبرز إدارة المخاطر كأحد أهم الأدوات الاستراتيجية التي تساعد على حماية الموارد، وضمان الاستمرارية، وتحقيق الأهداف بأقل قدر ممكن من الخسائر.
إدارة المخاطر هي عملية منهجية تهدف إلى تحديد المخاطر المحتملة، وتحليلها، وتقييم آثارها، ثم وضع الخطط المناسبة للتعامل معها سواء بالمنع أو التخفيف أو التحويل أو القبول. ولا تقتصر المخاطر على الجوانب المالية فقط، بل تمتد لتشمل المخاطر التشغيلية، والقانونية، والتقنية، والبيئية، والسمعة المؤسسية.
أثبتت الأزمات العالمية، سواء الاقتصادية أو الصحية أو التقنية، أن غياب إدارة المخاطر قد يؤدي إلى انهيار مؤسسات كبرى خلال وقت قصير.
وتكمن أهمية إدارة المخاطر في أنها: تقلل من احتمالية وقوع الأزمات أو آثارها السلبية، تساعد متخذي القرار على اتخاذ قرارات مدروسة، تحافظ على استقرار الأداء المؤسسي، تعزز ثقة المستثمرين والشركاء وأصحاب المصلحة، وترفع من كفاءة استخدام الموارد.
تمر عملية إدارة المخاطر بعدة مراحل مترابطة، أولها: تحديد المخاطر، حيث يتم في هذه المرحلة رصد جميع المخاطر المحتملة التي قد تواجه المؤسسة، سواء كانت داخلية مثل ضعف الكفاءات، أو خارجية مثل التغيرات الاقتصادية أو التشريعية. ثانيها: تحليل المخاطر، حيث يتم تحليل كل خطر من حيث درجة احتمالية حدوثه وحجم تأثيره، مما يساعد على تصنيفه حسب الأولوية. ثالثها: تقييم المخاطر، وتهدف هذه المرحلة إلى تحديد المخاطر الأكثر خطورة والتي تتطلب تدخلاً عاجلًا، مقارنة بالمخاطر المقبولة أو منخفضة التأثير. رابعها: وضع استراتيجيات الاستجابة، وتشمل: تجنب الخطر، تقليل آثاره، نقل الخطر (مثل التأمين)، قبول الخطر في حال كان تأثيره محدودًا. خامسها: المتابعة والمراجعة، حيث يتم مراقبة المخاطر بشكل مستمر وتحديث الخطط وفقًا للتغيرات المحيطة.
تلعب إدارة المخاطر دورًا محوريًا في تعزيز الحوكمة الرشيدة، إذ تسهم في تحقيق الشفافية، والمساءلة، وحسن إدارة الموارد. فالمؤسسات التي تطبق أنظمة فعّالة لإدارة المخاطر تكون أكثر قدرة على الالتزام بالقوانين واللوائح، وأفضل استعدادًا لمواجهة الأزمات.
ورغم أهميتها، تواجه إدارة المخاطر عدة تحديات، من أبرزها: ضعف الوعي بثقافة إدارة المخاطر، مقاومة التغيير داخل المؤسسات، نقص البيانات الدقيقة، الاعتماد على أساليب تقليدية غير محدثة، غياب التكامل بين إدارات المؤسسة.
لم تعد إدارة المخاطر مسؤولية إدارة واحدة، بل هي ثقافة مؤسسية شاملة تتطلب مشاركة جميع العاملين. فكلما زاد وعي الموظفين بالمخاطر المحتملة، زادت قدرة المؤسسة على الاستجابة السريعة والتقليل من الخسائر.
في الختام، يمكن القول إن إدارة المخاطر لم تعد خيارًا ترفيًا، بل ضرورة حتمية لضمان الاستدامة والنجاح في عالم مليء بالتحديات. والمؤسسات التي تنظر إلى المخاطر كفرص للتحسين والتطوير، وليس فقط كتهديدات، هي الأكثر قدرة على النمو والتفوق.
فإدارة المخاطر الناجحة لا تحمي الحاضر فحسب، بل تصنع مستقبلًا أكثر أمانًا واستقرارًا.













