ليست كلُّ الدموع تُرى، ولا كلُّ القلوب تُقرأ، فهناك عينٌ تفيض ولا يعلم بها أحد، وصدرٌ يضيق حتى يكاد يختنق، ثم يخرج إلى الناس بوجهٍ باسمٍ كأنّه لم يعرف وجعًا قط. إن أصعب الدموع ليست تلك التي تنحدر على الخد، بل التي تستقر في الأعماق، صامتةً كجمرٍ تحت الرماد، تحرق ولا تُرى.
نعيش بين وجوهٍ شتّى؛ وجوهٌ إذا اقتربتَ منها شعرتَ بالأمان، وأخرى تتزيّن بالوداعة وهي تخبّئ في زواياها ما يكدّر الصفو. هناك من يضيق صدره بنقاء غيره، فيسعى إلى تشويه صورته، لا لشيءٍ إلا لأن الضوء لا يطيق العيون المريضة. يختلقون الحكايات، وينفخون في الظنون، ويُلبسون الصادقين أثوابًا ليست لهم، ظنًّا منهم أن الغبار يحجب الشمس.
أولئك الذين يعجزون عن بلوغ القمم، فيحاولون هدم السلالم. لا يملكون شجاعة المنافسة، فيختارون درب العرقلة. يبتسمون في حضرتك، فإذا أدرتَ ظهرك انطلقت ألسنتهم كسياطٍ خفيّة، تلهب السمعة وتنهش الغياب. وما دروا أن السيرة الطيبة شجرةٌ ضاربة الجذور، لا تقتلعها عاصفة كلام.
وهناك من يضحك، وداخل ضحكته ألفُ ألم. يتقن إخفاء انكساراته كما يُخفي البحر جراح صخوره في الأعماق. يمنح الآخرين طمأنينةً هو أحوج ما يكون إليها، ويواسي قلوبًا بينما قلبه ينتظر من يواسيه. هؤلاء نبلاء الروح، يختارون الصمت رفعةً، لا ضعفًا، ويجعلون من آلامهم سُلّمًا لرحمة الناس.
وفي المقابل، من يضحك ووراء ابتسامته ألفُ غدر. ابتسامةٌ مصقولة، وكلماتٌ معسولة، وقلبٌ يموج بالحسد. يربّت على كتفك وفي داخله أمنية تعثّرك، يبارك نجاحك وفي صدره ضيقٌ لا يتّسع لفرحك. يظن الحياة ميدان صراعٍ ضيّق، وينسى أن الأرزاق مقسومة، وأن لكل ساعٍ نصيبًا لا يسلبه بشر.
المواقف وحدها تكشف المعادن. لحظةُ شدّةٍ واحدة تفرز القلوب كما يُفرز الذهب في أتون النار. هناك من يثبت في العاصفة كالسنديان، وهناك من يتساقط كورق الخريف عند أول ريح.
الدموع التي لا يراها الضوء تُعلّمنا أكثر مما تُوجعنا. تعرّفنا على أنفسنا حين تتكشّف الوجوه، وتعيد ترتيب أولوياتنا حين تتبدّل القلوب. قد ننكسر لحظة، لكننا لا نسقط طويلًا، لأن في داخلنا يقينًا بأن الحق لا يضيع، وأن الله أعدل من أن يترك الطيبين نهبًا لافتراء العابرين.
فلنبقَ كما نحن، أنقياء وإن شاب الطريق شوك، صادقين وإن تكاثرت الظلال. فالروح التي اعتادت النور لا تسكن العتمة، والقلوب التي عرفت الصفاء لا تتقن الغدر.
تلك دموعٌ لا يراها الضوء… لكنها تصنع في الخفاء أرواحًا أصلب، وأصدق، وأقرب إلى الله.














