»» النموذج الصيني يُعد من أكثر التجارب الدولية ملاءمة لهيكل الحيازات الصغيرة في العالم
أكدت الدكتورة حنان القاعي، مستشارة العلاقات الدولية والتطوير المؤسسي، أن تطوير القطاع الزراعي في العالم العربي يتطلب الانتقال من نماذج الدعم التقليدية إلى سياسات تركز على إدماج صغار المزارعين في سلاسل القيمة وتحويلهم إلى روّاد أعمال فاعلين في الاقتصاد الزراعي.
وقالت القاعي، في تصريح صحفي لبوابة الجمهورية والمساء أون لاين، إن السياسات الزراعية السائدة اعتمدت لعقود على توفير مدخلات الإنتاج بوصفها الحل الرئيسي لتحسين أوضاع صغار المزارعين، إلا أن التقييمات أظهرت أن هذا النهج، رغم أهميته التشغيلية، لم يُحدث التحول الاقتصادي الهيكلي المطلوب.
وأوضحت مدير الشراكات الاستراتيجية في منظمة تنمية المرأة (WDO) التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي أن صغار الحائزين يشكّلون ما بين 70 و80 في المئة من إجمالي المزارعين في الدول العربية، في حين لا تتجاوز مساهمتهم في القيمة السوقية النهائية 30 إلى 40 في المئة، كما لا يحصل على التمويل الرسمي سوى أقل من 15 في المئة منهم، وغالبًا ما يُوجَّه هذا التمويل لتغطية احتياجات موسمية قصيرة الأجل.
وبيّنت القاعي أن كسر هذه الحلقة يتطلب إدماج صغار المزارعين في سلاسل القيمة الزراعية، مشيرة إلى أن نماذج الزراعة التعاقدية أسهمت في خفض المخاطر التسويقية بنحو 50 في المئة، ورفعت دخول المزارعين بنسبة تراوحت بين 20 و40 في المئة، فيما أدى التصنيع الزراعي الصغير إلى مضاعفة هوامش الربح من مرتين إلى ثلاث مرات.
وفي ما يتعلق بالتمويل، شددت القاعي على أهمية الانتقال من تمويل المدخلات إلى تمويل الأصول الإنتاجية، مثل البيوت المحمية، ووحدات الألبان، وأنظمة الري بالطاقة الشمسية، مؤكدة أن هذا النوع من التمويل يعيد تشكيل منحنى الدخل للمزارع لسنوات طويلة ويعزز استقلاليته الاقتصادية.
ولفتت إلى أن النموذج الصيني يُعد من أكثر التجارب الدولية ملاءمة لهيكل الحيازات الصغيرة في العالم العربي، حيث نجح في توظيف حزم تكنولوجية منخفضة التكلفة، شملت الزراعة الرقمية والميكنة التشاركية ومنصات التسويق الإلكتروني، ما أسهم في خفض التكاليف التشغيلية للوحدة الزراعية بنسبة تراوحت بين 20 و40 في المئة، إلى جانب تحسين دخول صغار المزارعين.
وأضافت أن تطبيق هذه المقاربة في الدول العربية يمكن أن يخفض كلفة الإنتاج الزراعي للهكتار بنسبة تتراوح بين 15 و30 في المئة، ويرفع صافي الدخل الزراعي بما بين 25 و60 في المئة عبر دورات إنتاجية متعاقبة، لا سيما في البيئات التي تعاني من تجزئة الحيازات وارتفاع كلفة المدخلات.
وأكدت القاعي أن أثر هذا التحول لا يقتصر على المزارعين، بل يمتد إلى الاقتصاد الريفي ككل، من خلال تنشيط قطاعات النقل والتخزين والتعبئة والتسويق، والحد من الهجرة الريفية، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
وبالمقارنة مع النماذج الأوروبية التي تتفوق في الجودة والمعايير التصديرية لكنها تقوم على استثمارات رأسمالية مرتفعة ودعم حكومي كثيف ، يتضح أن النموذج الصيني أكثر قدرة على تحقيق معادلة خفض التكلفة ورفع الكفاءة لصغار الحائزين.
فبينما تركّز أوروبا على تعظيم القيمة التصديرية، يركّز النموذج الصيني على تعظيم العائد الصافي للمزارع، وهو ما يجعله نقطة انطلاق أكثر واقعية لبرامج التحول الريادي الزراعي في الدول العربية، مع إمكانية التطوير التدريجي نحو معايير الجودة الأعلى.
وختمت القاعي تصريحها بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم التمويل الموجَّه للقطاع الزراعي الصغير، بل في فلسفة توجيهه، قائلة: “الدعم الذي لا يبني استقلالية اقتصادية يعيد إنتاج الحاجة إليه، بينما الاستثمار الذي يحوّل المزارع إلى رائد أعمال يخلق دورة تنموية مستدامة”.














