بقلم: أحمد فاروق بيضون (ناقد وأديب)
»» محطات إنسانية بين أدلجة المعتقدات وتأطير الحاجة إلى الهجرة ونوستالجيا العاطفة
»»
ويتجدد اللقاء مع عرض للرؤي النقدية والقراءات الفلسفية لأعمال كتاب وأدباء ومواهب أبناء أرض الكنانة..
ونعرض في هذه السطور لرؤية فلسفية نقدية للأديب الناقد احمد فاروق بيضون حول أحد أعمال الأديب الدكتور طارق الشناوي “عندما بعث الله لي غراباً… ثلاثية من روايات قصيرة”.
🍂
محطات إنسانية بين أدلجة المعتقدات وتأطير الحاجة إلى الهجرة ونوستالجيا العاطفة، هكذا أتحفنا الروائي المبدع د. طارق الشناوي ..”عندما بعث الله لي غراباً… ثلاثية من روايات قصيرة ” تمشدُ الحياة بواقعها بين الأمل والألم، بين الخرافات ومفردات المعاصرة والحقيقة الراسخة في الحاضر واستشراف المستقبل.
نسجها الروائي بسارده العليم المهيمن على مجريات الأحداث ليبرهن الضعف البشري وحالة الاستسلام المفروضة على إنسان هذا العصر على إثر ملمات البيئة المحيطة من انتباذ مجتمعي وتطييف أو حتى عوالم غير مرئية كما في (هالات)؛ لما تطرق إلى الأورا عبر تلك النظارة البصرية التي ترسم لواجاً من الطاقة كمطياف ضوئي تتعدد ألوانه وتتمايز حسب الشحنات الكهرومغناطيسية المنبثة من الشخوص، فإما بالإيجاب أو السلب أو بالأحرى الانجذاب والتناغم أو سُمية العلاقات المجتمعية وفق مؤشر الهالة، ثمَّ تلك (الديكارتية) المتعلقة بروايته (الكلاب تحكم في المدينة) التي حملت ملمحاً سردياً بديعاً يصف مشهد سؤدد الكلاب في تلك البقعة من العالم ..
وهو (الأوكسيمورون)Oxymore فالكلاب الضالة مهما استوحشت وضرست أنيابها وأبرزت غريزة الافتراس ضد الإنسان إلا أنها على النقيض تمتاز بالوفاء وربما تنتهي كوابيس تلك الابنة التي تخشاها ويهدأ روعها عندما تعي بأن كل كائن وكائنة على ظهر البسيطة يموج معاً في علاقة تبادلية حسية من أجل إحداث ذاك التوازن على ظهر الكوكب الأرضي، ناهيكَ عن النقطة المضيئة في محطات الانسان وإحداث مباغتة سردية مشهدية جديدة من تكتيك سردية يرتكز على التصوير بالفاصل الزمني المعروف Time lapse الذي يلتقط متواترة صور في صورة واحدة وهي (الحكمة) التي تأتينا من تلك الحيوانات والطيور من أجلنا نحن – بنو البشر من نسل آدم عليه السلام، لما أتحفنا في روايته (عندما بعث الله لي غراباً) التي تصدرت المشهد في تلك الكوميديا السوداء لبطلها المهندس البترولي (عادل) الذي عانى ما عاناه بعد آمال عظيمة يرتسمها لمستقبله الباهر، لكن الدهر الراسف لا ينصفه بعد خيبات تعيث في عوالمه بعدما تم اتهام والده الذي كان يشغل منصب وكيل النظارة بالرشوة، في ضوء تلك الأحداث الجارية بالمحروسة إبان ثورتين عارمتين وانبعاث جديد ينذر بدرأ الفساد ويعضد من الأمن والاستتاب بعد حالة التخبط التي دامت لأعوام منصرمة، بات البطل قاب قوسين أو أدنى من اليأس ومقصلة البقاء في البلاد ومازال التنابز ينثال على أسماعه من زملائه وحتى (مها) التي أحبها، جاب سراي (الحقانية) العتيقة للدفاع عن ذاك الأب وتبرئة صفحته مدججاً بتآزر أخيه (حسام) ونفحات أمه التي تشاطره الأحزان والجراحات التي لا يكاد ينكئها في خضام التحقيقات، بدلاً من أن ينال حظوة أو ترقية إلا أن الأمور انقلبت رأساً على عقب.
ودعته الحاجة إلى الهجرة للولايات للعمل بها في نطاق عمله بلا أوبة كما نصحه أخوه، يستجدي رمق إنسانية من قمقم بشق الأنفس بعدما أمّله (السيستم) – على حد تعبير السارد بتلك المهام المنوطة بالولايات بحثا عن طوق النجاة، ليباغته أمر بإلزامه العودة لبلد ميلاده رغماً عنه كما شاء (السيستم) الذي يؤكد بأن الإنسان أصبح مجرد (رقم) أو حروف تتأرجح بين مراسلات وترشيحات محوسبة في هذا العالم الديجيتالي، لم يكن لديه مناصاً آخر سوى العودة كسائح أمريكي بعدما حصل على جوازه الأزرق بالإضافة إلى المصري الذي غاب كما غابت شمس ماضيه، فهو ليس ككومار وبابلو وستيف الذين يجيدون لغات محل عملهم ولا يملك من أمره شيئاً للهروب لدول الخليج المجاورة، كان الله به رحيماً لما سقطت التهم المنسوبة بغروب الوالد الراحل عن عالمه، وتلاه الأم أثناء جائحة كورونا، وكذلك أخوه الذي لم يكن يبتغي سوى نصيبه في المنزل وما يغدقه عليه من أموال ليتزوج ثم يقطع وصله مع شقيقه المانح المغترب عاطفياً ووجودياً، تنساب الأحداث التي آل إليها البطل السارد بعد عودته لموطنه ومازال يشعر بأنه (لامنتمي أو منبث) عن هذه الأرجاء، يعتبره الجميع أثناء مهمته الرسمية أجنبياً (غريباً) ..
وهو في حالة انصياع وخنوع كأنه مجبول على هذا الشعور منذ اللحظات القاتمة بعد القبض على والده، لكن الفندق الذي آواه حمل رسالة مغايرة كأنه (المطهر) Purgatory الذي حمل إليه رسالة ربه (الغراب) الذي لديه نصيب من اسمه بين الغربة والاغتراب، لا غرو بأن البطل (عادل) استلهم تلك الخرافات كثيمة متأصلة في عاداته القديمة لما رآه على افريز الشرفة ينعق ويستدعي قطعانا من أقرانه كأنه يمقت وجوده، ليتحفنا السارد بوتيرة (الحُلم) الذي يبعث بنُذر تحمل (ثنائية) بين خير وشر؛ أولها ذاك الوحش الطائر الأشبه بالغراب العملاق أو الرُخ الذي يطارد منامته وهي في تنائي بين بيادر الأخيلة ليستفيق من كبوته ويلجأ لنداء المولى عز وجل ويصلي بعدما ترك عماد الدين لعهود بائدة وليبدأ عهدا جديدا يلوذ فيه برب البرايا أن ينجيه، حلمه التالي يحمل نوستالجيا الذكريات في ذاك الجزء المشرق من حياته..
ويتذكر أباه وأمه وأخوه ومباراة يخوضها النادي العريق وليس كما يراه في حاضر المغاير الذي تجذّرت فيها الأسماء والأنواء، أرادنا السارد أن ندرك بأن (سيميائية) الغراب الدلالية عابرة للأزمان منذ بدء الخليقة بحادثة أولاد آدم عليه السلام لما بعثه الله ليعلم قابيل كيف يواري سوءة أخية هابيل ويهيل الثرى أسوة وتأسياً بهذا الكائن، لربما (أنسن) هذا الغراب الزائر الغريب المتردد على الشرفة ليؤنس وحدته ويلهم (عادلاً) بقضايا كونية تتعلق بما انتوى أخوة يوسف لما رموا أخاهم بالجُب أو عن سبب أول جريمة في تاريخ الانسانية أو عن سبب انفصام عرى التآخي الرحميّ بين عادل وحسام، كأنه (تخاطر) بنكهة الخلاص بين إنسان ضل سعيه في الحياة الدنيا وطائر أيضاً ضل سعيه لما حاول جدوده العيش مع اليمام كما دلت الأساطير، كأنهما صنوان ووجهان لعملة وجود مشترك يشاطران نفس المآل، فما لبث أن انتهى من عمله وتوديع الجميع حتى ضغط على زر الاتصال بأخيه – إيذاناً بحياة جديدة وأمل يتجدد.
هكذا – دأب الروائي الماتع في لغته الخاصة وأسلوبه الثلث وحواريته المستساغة للنفس البشرية ؛ ليبعث الأمل والخير في هذه الإنسانية أن تؤوب وتستنهض ضميرها بعد وئيد وتشييع، باعثا رسالة سامية وراء السطور بأنّ سائر الكائنات في هذا الكون تتماهى من أجل السلام والحب كجسد واحد يشدُّ بعضه بعضا.














