بقلم : د.خلود محمود (مدرس الإعلام الرقمي بمعهد الدراسات الأدبية بكينج مريوط)
»» حين يصبح الفن مرآة سوداء لسلوكياتنا
قبل أيام قليلة من حلول شهر رمضان، تعود الدراما العربية لتفرض نفسها على البيوت والمجالس لكن ما شهدناه في رمضان الأعوام الماضية كان مختلفاً لم تكن المسلسلات مجرد حكايات نتسلى بها بعد الإفطار، بل تحولت إلى مرجع اجتماعي يستشهد به الناس في مشكلاتهم اليومية فكم مرة سمعنا جيراناً أو أقارب يقولون’شفتوا فلان في المسلسل الفلاني، هذا أنا بالضبط’؟ المشكلة ليست في الفن، بل في تحول المجتمع إلى مستهلك للقيم والسلوكيات الدرامية، ومطبق لها في الواقع.”
في علم الاجتماع الإعلامي نسمي هذه الظاهرة “قدوة الشاشةً ” حيث يتحول بطل المسلسل -بغض النظر عن أخلاقه- إلى نموذج يُحتذى في أفعاله وتصرفاته وملابسه وكلماته الغريب أن الدراما قدمت الأعوام الماضية شخصيات شريرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى: قاتل، محتال، متسلط ، بلطجي ومع ذلك وجدنا من يردد: ‘هذا هو البطل الحقيقي لأنه قوي هنا تتحول القوي الناعمة -أي متعة المشاهدة- إلى قوة سلبية تعيد تشكيل وعي المجتمع ، أن ما يقلق المتابع لتلك التغيرات هو كيف ينتقل المشاهد من التعاطف مع الشرير إلى تطبيق سلوكياته في الحياة الواقعية مشاجرات بسبب تقليد شخصية ‘س ‘ في مسلسل كذا واتخاذ مشهد أو أخر وتطبيقه كحل في مشاجرة وهو ما حدث منذ أيام عندما حدثت مشاجرة بين مجموعة أشخاص وشخص وكرروا مشهد في مسلسل رمضاني شهير بأن قاموا بلباس هذا الشخص ملابس نوم مسائية وقاموا بتصويره في عرض الشارع وأمام مرئي ومسمع الجميع ، ناهيك عن أي خلافات أسرية بسبب حوارات مسيئة في مسلسل آخر نحن أمام ظاهرة خطيرة: انتصار الجرائم والأخلاق غير الطيبة باسم ‘الواقعية’ أو ‘القوة’.”
لقد انقلبت القوة الناعمة علي أصحابها فنحن أمام مفارقة غريبة أن المجتمع يمتلك قوة ناعمة وهي الإعلام والدراما والتي يفترض أن ترتقي بذوقه، لكنه يستخدمها كذخيرة لتبرير عيوبه من يسرق يقول: ‘الكل بيسرق في المسلسلات’، ومن يظلم يقول: ‘الدنيا كده في الدراما’ الحقيقة أننا أصبحنا نخلط بين الواقع والخيال بشكل مقلق.”
وقبل أيام قليلة من حلول شهر رمضان، تعود الدراما المصرية لتفرض نفسها كأحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية في العالم العربي فمنذ عقود، كانت مصر تدرك أن صناعتها الدرامية ليست مجرد فن، بل هي رأس مال رمزي ونفوذ ثقافي يتجاوز حدود الجغرافيا لكن ما شهدناه في رمضان الماضي وغيره يطرح سؤالاً مؤلماً: ماذا يحدث عندما تتحول هذه القوة الناعمة إلى سلاح يرتد على المجتمع؟ عندما يجد المشاهد المصري نفسه يستشهد بمشاهد العنف والبلطجة والعلاقات غير الأخلاقية في مسلسلاتنا، ليس باعتبارها دراما، بل كنماذج يُحتذى بها في حياته اليومية؟.
في نظريات الإعلام، تعرف القوة الناعمة بأنها قدرة الدولة على تشكيل تفضيلات الآخرين من خلال الجاذبية الثقافية والقيمية، وليس عبر الإكراه أو القوة الصلبة وكانت الدراما المصرية على مدى عقود نموذجاً أصيلاً لهذا المفهوم: أسرة ‘رأفت الهجان’ تقدم نموذجاً للوطنية، ‘ليالي الحلمية’ ترسم خريطة للهوية المصرية، ‘رأفت الهجان’ مرة أخرى يعلم الأجيال معنى الانتماء لكن اللافت في السنوات الأخيرة أن القوة الناعمة المصرية بدأت تعاني من تناقض جوهري: فبينما ننتج محتوى درامياً يصل إلى ملايين المشاهدين عربياً، نجد أن هذا المحتوى يعكس -وأحياناً يعمق- صورة سلبية عن المجتمع المصري نفسه.” المفارقة أن حديثنا عن القوة الناعمة يركز عادة على تأثيرها خارج الحدود، لكن ما يحدث الآن هو تأثير عكسي على الداخل فالمشاهد المصري لم يعد مجرد متلقٍ سلبي، بل أصبح يستدعي الشخصيات الدرامية كمراجع لحياته: ‘شفت فلان في المسلسل الفلاني عامل إزاي مع مراته؟’، ‘الدنيا كده زي ما قال البطل’. هنا تتحول القوة الناعمة من أداة تأثير ثقافي إلى آلية لتبرير انهيار القيم المجتمعية حين تقدم الدراما البلطجة كقوة، والخيانة كواقعية، والاحتيال كذكاء، فإنها تسحب شرعية نقد هذه السلوكيات في الواقع.”
كيف تحولت القوة الناعمة المصرية إلى هذا الوضع؟ يمكن تفسير ذلك عبر ثلاث آليات:
أولاً: تغير وظيفة الدراما من صناعة ثقافية إلى صناعة تجارية بحتة، حيث أصبحت المشاهد الصادمة والمثيرة هي ضمانة المشاهدة العالية، بغض النظر عن تأثيرها المجتمعي.
ثانياً: أزمة التمثيل، حيث غابت الشخصيات الإيجابية المقنعة التي تقدم نماذج حقيقية يمكن الاحتذاء بها، لتحل محلها شخصيات الشر التي تستهوي المشاهد لكنها لا تقدم بديلاً قيمياً.
ثالثاً: غياب الوعي النقدي لدى المشاهد العادي الذي يخلط بين التمثيل والواقع، فيتحول من مشاهد إلى مقلد غير واعٍ لعواقب هذا التقليد.”
هنا نصل إلى إشكالية جوهرية: كيف نوفق بين حرية الإبداع الفني ومسؤولية القوة الناعمة تجاه المجتمع؟ ليس المطلوب دراما وعظية أو مثالية، فالواقع المصري يحوي كل هذه التناقضات لكن المطلوب هو وعي المنتج ووعي المشاهد معاً، المنتج مطالب بأن يدرك أن ما يقدمه ليس مجرد سلعة، بل هو جزء من نسيج القوة الناعمة التي تشكل وعي الأجيال. والمشاهد مطالب بأن يطور أدواته النقدية ليميز بين ما يُعرض عليه كفن، وبين ما يختاره كنموذج لحياته.”
“مع اقتراب رمضان، تبقى الدراما المصرية أحد أهم أصولنا في القوة الناعمة العربية لكن هذه القوة يمكن أن تكون سلاحاً ذا حدين: إما أن تظل أداة تأثير إيجابي يمتد لعقود، أو تتحول إلى مرآة سوداء تعكس أسوأ ما فينا، وتعيد إنتاجه في الواقع ، والحل ليس في الرقابة أو التكميم، بل في وعي مجتمعي نقدي قادر على استهلاك الدراما دون أن يستهلكه محتواها.”













