في أول إطلالة رسمية له عقب توليه حقيبة الاستثمار والتجارة الخارجية، اختار الدكتور محمد فريد أن يبعث برسالة “تطمينات تقنية” لـ 16 صندوق استثمار عالمياً وإقليمياً. من شرم الشيخ، وعبر شاشات “الفيديو كونفرانس”، لم يتحدث الوزير بلغة البيروقراطية المعهودة، بل بلغة “المستثمر المغامر” الذي يدرك أن مستقبل الاقتصاد المصري معلق بخيوط برمجية دقيقة تربط سلاسل الإمداد بالأسواق العالمية.
ما بعد “الفنتك”: عصر التجارة الذكية (TradeTech)
لم يعد التحدي في مصر هو مجرد توفير وسيلة دفع إلكترونية، بل في كيفية تحويل “التجارة” نفسها إلى عملية رقمية بالكامل. أكد فريد أن الوزارة تنتقل الآن إلى مرحلة “ما بعد التكنولوجيا المالية” (Beyond Fintech)، حيث يتصدر مصطلح “TradeTech” المشهد.
إنها محاولة جادة لرقمنة السياسات التجارية، حيث تصبح البيانات هي الوقود المحرك للصادرات. الهدف هنا ليس مجرد التصدير، بل خفض تكاليف العمليات اللوجستية وتفكيك تعقيدات سلاسل الإمداد، مما يمنح المنتج المصري ميزة تنافسية في الأسواق الدولية لا تعتمد فقط على سعر الصرف، بل على كفاءة الوصول.
في خطوة تعكس تفكيراً ريادياً خارج الصندوق الحكومي التقليدي، كشف الوزير عن دراسة إنشاء “مختبرات تنظيمية” (Regulatory Sandboxes) داخل أروقة الوزارة. هذه المختبرات هي بمثابة “بيئة آمنة” تسمح للشركات الناشئة والمصدرين باختبار حلولهم المبتكرة دون الخوف من الاصطدام المباشر بالقيود التشريعية الصارمة قبل نضوج الفكرة.
هذا التوجه يمثل “ميثاق ثقة” جديد بين المبدع والمشرّع، حيث تتحول الحكومة من دور “المراقب الجمودي” إلى دور “الميسّر التكنولوجي”، وهو ما يطلبه المستثمر الأجنبي تحديداً لضمان استدامة تدفقاته الرأسمالية.
سد فجوة النمو: الرهان على مرحلة “ما بعد التمويل”
يدرك فريد أن معضلة الشركات الناشئة في مصر ليست دائماً في “البداية”، بل في “الاستمرار والنمو”. لذا، ركز في حديثه على استراتيجية دمج هذه الشركات في صلب الاقتصاد القومي، وربطها بصناديق الاستثمار لتجاوز مرحلة “الفكرة” إلى مرحلة “التوسع المستدام”. إنها محاولة لبناء جسر يربط بين طموح الشباب وبين متطلبات الاقتصاد الكلي، لضمان ألا تظل هذه الشركات جُزراً منعزلة، بل تصبح قاطرات حقيقية للتشغيل والإنتاج.