بقلم : د. أميرة ماهر
(أخصائي نفسي إكلينيكي أطفال ومراهقين)
كم مرة شعرت بالإرهاق بعد حديث قصير مع شخص قريب منك؟
وكم مرة منحتك علاقة ما طاقة وأمان جعلك أكثر قدرة على مواجهة الحياة؟
الحقيقة أن العلاقات الإنسانية ليست مجرد تفاعل اجتماعي عابر، بل هي أحد أهم العوامل المؤثرة في تكوين شخصيتنا وصحتنا النفسية والجسدية على حد سواء. فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، يعيش ويتوازن داخل شبكة من العلاقات، إما أن تدعمه أو تستنزفه.
فالعلاقات الداعمة درع نفسي وجسدي
والعلاقات الصحية سواء كانت أسرية أو زوجية أو صداقات أو حتى علاقات مهنية بتوفر للفرد شعورا عميقً بالأمان والانتماء.
وهي مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، وملاذ وقت الأزمات، ومصدر لتقدير الذات.
وهناك دراسات كثيرة ثبتت وجود دعم اجتماعي حقيقي يقلل من مستويات هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر)، مما ينعكس إيجابيآ على صحة القلب والجهاز المناعي، بل ويساعد على التعافي بشكل أسرع من الأمراض.
ببساطة: العلاقة الداعمة قد تكون عامل حماية نفسي وجسدي.
وعندما تتحول العلاقة إلى مصدر ألم في المقابل، هناك علاقات تضعف أكثر مما تمنح.
علاقات يسودها النقد المستمر، أو التحكم والسيطرة، أو الإهمال العاطفي، أو العنف اللفظي والجسدي و شعور النقص الداخلى من أحد أطراف العلاقة ويظهر فى شكل إسقاط مؤذى على الطرف الأخر.
والتعرض المزمن لهذا النوع من العلاقات قد يؤدي إلى:
اضطراب القلق, والاكتئاب, واضطراب ما بعد الصدمة, وانخفاض تقدير الذات والاعتمادية المرضية.
وفي بعض الحالات، خاصة عندما تبدأ الخبرات المؤذية في الطفولة، قد تمتد آثارها لتشكل اضطرابات في الشخصية وأنماط التعلق.
على سبيل المثال (مثال من واقع العيادات النفسية)
سيدة في منتصف الثلاثينات كانت تعاني من صداع مزمن واضطرابات نوم متكررة. والفحوصات الطبية لم تظهر سبب عضوي واضح.
وبعد جلسات نفسية، تبين أنها تعيش في علاقة زوجية قائمة على النقد الدائم والتقليل من شأنها.
بمجرد أن بدأت في وضع حدود صحية والتعبير عن احتياجاتها، تحسنت أعراضها تدريجيا.
وغيرها من الحالات المشابهه وغير المشابهه ضحايا العلاقات غير سوية فأحيانا لا يكون الألم في الرأس بل في العلاقة.
فالعلاقات المليئة بالصراعات لا تؤثر نفسيًا فقط، بل ترتبط أيضا بارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، واضطرابات القولون العصبي، والصداع المزمن، وضعف المناعة.
ويعود التفسير العلمي لذلك إلى التنشيط المستمر لمحور الضغط العصبي ، مما يبقي الجسم في حالة استنفار دائم، وكأنه يواجه خطر لا ينتهي.
جذور العلاقة تبدأ من الطفولة
فأشار بعض علماء النفس في نظرية التعلق إلى أن نوع العلاقة بين الطفل ومقدمي الرعاية يؤسس لنمط تعلقه في المستقبل.
فالتعلق الآمن ينتج عنه بالغون أكثر استقرار وقدرة على بناء علاقات صحية، بينما قد يؤدي التعلق القلق أو التجنبي إلى صعوبات في الثقة، أو خوف مفرط من الهجر، أو تعلق مرضي بالآخرين.
وهنا تتضح أهمية البيئة الأسرية الداعمة كعامل وقاية مبكر من اضطرابات لاحقة.
فكيف نعرف أن العلاقة تؤثر سلبا علينا؟
اسأل نفسك:
هل أشعر بالتوتر معظم الوقت مع هذا الشخص؟
هل بغير نفسي خوف من رفضه؟
هل أشعر بالذنب باستمرار؟
هل بتقل ثقتي بنفسي بعد كل تفاعل معه؟
وإذا تكررت الإجابة بـ”نعم”، فربما تكون العلاقة مستنزِفة نفسيا.
فكيف نحمي صحتنا النفسية داخل العلاقات؟
وضع حدود واضحة
التعبير عن الاحتياجات دون خوف
عدم تبرير الإساءة
طلب الدعم النفسي عند الحاجة
تعلم مهارات التواصل الفعال
في النهاية، العلاقات ليست رفاهية عاطفية، بل عنصر أساسي من عناصر الصحة النفسية.
هي إما أن تكون مساحة أمان واحتواء أو مصدر ضغط واستنزاف.
واختيارنا لما نقبل به داخل علاقاتنا قد يكون قرار علاجي بقدر ما هو قرار عاطفي.














