بقلم د.سحر سالم (الخبير الاعلامي واستشاري الصحة النفسية ومدير عام إذاعة القناة سابقا)
يهلّ علينا شهر رمضان كنسمةٍ ربانيةٍ تهبّ على القلوب المتعبة فتغسلها من غبار الأيام، وكفرصةٍ سماوية تتجدّد كل عام لتعيد ترتيب أرواحنا قبل بيوتنا، ونياتنا قبل موائدنا. إنّه ليس شهر الامتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل موسمٌ عظيمٌ لتزكية النفس، وميزانٌ حقيقيّ تُوزن به أخلاقنا قبل عباداتنا.
رمضان الذي نستقبله هذه الأيام، هو ذاته الذي استقبله النبي صلى الله عليه وسلم ،في مكة المكرمة والمدينة المنورة، لكنه ينتظر منّا فهماً أعمق لمعناه. فالصيام ليس جوعاً يُحتمل، بل شهوةٌ تُهذّب، ولسانٌ يُصان، وقلبٌ يُنقّى من كل ما حرّم الله. هو صيامٌ عن الغيبة كما هو عن الطعام، وصيامٌ عن القسوة كما هو عن الشراب، وصيامٌ عن الظلم كما هو عن الشهوات.
ما قيمة ساعاتٍ نمسك فيها عن المباح، ثم نطلق ألسنتنا في أعراض الناس؟ وما جدوى قيام الليل إن كنّا نغفل عن بر الوالدين، أو نقطع أرحامنا، أو نؤذي جاراً يشاركنا الجدار والهواء؟ إن من أعظم ثمار الصيام مراجعة الجار، وصلة الرحم، وإحياء روح البرّ بالوالدين، ومدّ يد الرحمة إلى الحيوان الضعيف الذي لا يملك شكوى، والعطف على الفقراء والمساكين الذين ينتظرون دفء القلوب قبل صدقات الجيوب.
رمضان مدرسةٌ عملية لربط الدين بالحياة. فلا معنى لعبادةٍ تنفصل عن السلوك، ولا قيمة لصومٍ لا ينعكس عدلاً في المعاملة، ورفقاً في الكلمات، وأمانةً في العمل. إن فكّ كربة إنسان، أو إدخال السرور على قلب محتاج، أو التخفيف عن مديون، قد يكون عند الله أعظم أثراً من أعمالٍ نظنّها كبيرة في ظاهرها وهي خواء في باطنها.
إنه شهر المكافآت والفرص العظيمة التي أرسلها الله لعباده ليثقلوا موازين حسناتهم. فمن خرج منه كما دخله، لم يذق حقيقته، ولم يفهم رسالته. ومن حصره في مائدةٍ عامرة أو سهراتٍ طويلة، فقد ضيّع كنزاً كان يمكن أن يغيّر مصيره.
فلنغتنم الفرصة قبل أن يرحل شهر البركات، ولنجعل من كل يومٍ فيه خطوةً نحو إنسانٍ أفضل، وقلبٍ ألين، وسلوكٍ أصدق. لنجعل صيامنا ارتقاءً، وقيامنا إصلاحاً، وصدقاتنا حياةً تُبعث في قلوب الآخرين.













