بقلم: د.محمد الجوهري
(أمين لجنة التعليم بحزب الجيل الديمقراطي)
شهر رمضان المبارك ليس شهر صيام وقيام وتلاوة قرآن فقط ، إنه أيضاً شهر العمل والجهاد والانتصارات.
ففي هذا الشهر الفضيل، تتجلى أعظم صور التضحية والفداء، حيث كتب الله النصر للمسلمين في مواقف حاسمة عبر التاريخ، فكما كان نصر غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة، كان نصر العاشر من رمضان عام 1393 هـ الموافق السادس من أكتوبر عام 1973 م، حيث عبرت القوات المسلحة المصرية قناة السويس وحطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وانتصر الجيش المصري على العدو الإسرائيلي.
وبحكم تخصصي التربوي، يمكننا أن نقف مع هذا النصر العظيم وقفات تربوية نستلهم منها الدروس والعبر لأجيالنا الحالية والمستقبلية:
1- التخطيط الجيد والحفاظ على السرية :
من أبرز الدروس التربوية في نصر العاشر من رمضان هو عنصر التخطيط الجيد، حيث استمر التخطيط للحرب ست سنوات كاملة (1967-1973) في سرية تامة، وهو ما يغرس في النفوس قيمة التخطيط للمستقبل وعدم الاستعجال في النتائج. كما أن السرية التي أحاطت بالعملية علمتنا أن النجاح يحتاج إلى سرية وصبر.
2- الاستعانة بأهل الخبرة والتخصص:
لجأت القيادة المصرية إلى الخبراء والمتخصصين لوضع خطة العبور،وهنا وقفة تربوية عظيمة نُعلّم فيها أبناءنا قيمة التخصص والرجوع إلى أهل العلم والخبرة في كل أمر، فخطط سلاح الهندسة بالقوات المسلحة لكيفية تحطيم خط بارليف بخراطيم المياه، وهو إبداع لم يأت من فراغ بل من خبرة وتخصص.
3- بناء الثقة لدى الجنود وتحديد العدو:
قامت القيادة المصرية قبل المعركة بالعمل على بناء ثقة لدى الجنود وإزالة آثار هزيمة 1967 من النفوس حيث اعتمدت على تغيير العقيدة القتالية، التدريب المكثف، وحرب الاستنزاف، مما غرس اليقين بالنصر، كما شملت الجهود رفع الروح المعنوية، وتسليح الجيش بأحدث الأسلحة، وهنا وقفة مهمة في التربية: بناء الثقة في نفوس أبنائنا، وتعليمهم أن العدو الحقيقي (سواء كان عدواً خارجياً أو هوى النفس والشيطان) يمكن هزيمته بالإرادة والعزيمة.
4- كشف هشاشة العدو (تحطيم خط بارليف)
كان العدو يروّج عبر تاريخه القصير أن جيشه لا يُقهر، وأن خط بارليف المنيع صعب اختراقه، إلى أن أتى نصر العاشر من رمضان وفيه تحطمت هذه الأسطورة في ساعات قليلة.
والدلالة التربوية هنا أن القوى الظالمة مهما بدت ضخمة ومنيعة، فهي هشة من الداخل إذا صادفت إيماناً راسخاً وعزيمة صادقة.
5- حب الوطن وترسيخ قيم الانتماء :
تتجلى أسمى صور التربية في قيمة حب الوطن والانتماءحيث قدم الجنود المصريون أرواحهم رخيصة من أجل تراب هذا الوطن، ولعلنا نتذكر هنا “صائد الدبابات” الرقيب أول : “محمد عبد العاطي” وأُطلق عليه صائد الدبابات لانه دمّر خلال أيام الحرب 23 دبابة بمفرده، كما نتذكر مشاهد العظمة التي ظهر فيها الجندي الذي كان يحمل مدفعاً مضاداً للطائرات على كتفه منفرداً ليسدد ضرباته نحو العدو، وغيرهم الكثيرين من الأبطال المجهولين الذين ضحوا بحياتهم لتحرير الوطن.
حيث لم يكن حب الوطن شعاراً، بل كان عملاً وتضحية وفداء.
إنه الدرس التربوي الأهم: أن نربي أولادنا على أن الوطن أمانة، وأن الدفاع عنه شرف.
وختامًا فإن نصر العاشر من رمضان هو مدرسة تربوية متكاملة،علينا أن ننقل هذه الدروس للأجيال القادمة ليبقوا أوفياء لتاريخ آبائهم وأجدادهم، وليعلموا أن رمضان ليس شهر خمول وكسل، بل شهر عز وجهاد وانتصار، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
وكل عام وشعب مصر وقواته المسلحة بخير.














