في حكم حمل رسائل حاسمة بشأن قدسية مهنة المحاماة وحدود المسؤولية المهنية، أيدت محكمة الجنايات الاستئنافية الحكم الصادر بحبس المحامي عبدالرحمن ح. ع. لمدة خمس سنوات، بعد إدانته في وقائع تزوير محررات رسمية وعرفية، واستعمالها للإضرار بموكلته والاستيلاء على أموالها بطريق الاحتيال. في القضية، التي حملت رقم 51 لسنة 2024 جنايات مركز ملوي، كشفت عن استغلال المتهم صفته المهنية والتوكيل الصادر له من المجني عليها أميرة ماهر أحمد عبدالعظيم، وتوظيفه في غير الغرض الذي منح من أجله، عبر اصطناع إيصال أمانة وتقديم محررات مزورة أمام جهات التحقيق والمحكمة المختصة، بما أفضى إلى صدور حكم ضد موكلته في جنحة بقسم شرطة قسم شرطة قصر النيل.
وصدر الحكم برئاسة المستشار طه عبدالله عبدالعظيم، وعضوية المستشارين مصطفى ربيع عبدالعظيم ومحمد محمود حلمي، وبحضور بهي حازم وكيل النيابة، وأمانة سر محمود شعبان العمدة، حيث قضت المحكمة بقبول الاستئناف شكلًا، ورفضه موضوعًا، وتأييد الحكم المستأنف، مع إلزام المتهم بالمصروفات الجنائية
كشفت تحقيقات المستشار محمد طراف، وكيل نيابة جنوب المنيا الكلية، في الجناية رقم 51 لسنة 2024 كلي جنوب المنيا، أن المستشار محمد أبو كريشة، المحامي العام لنيابات جنوب المنيا، أمر بإحالة المتهم عبدالرحمن ح. ع، وآخرين سبق محاكمتهم، إلى محكمة الجنايات، لاتهامهم بارتكاب وقائع تزوير في محررات رسمية وعرفية، واستعمالها، والاستيلاء على مال مملوك للغير بطريق الاحتيال.
وتبين من أمر الإحالة أنه في غضون عام 2023، وبدائرة مركز ملوي، اشترك المتهمون – وهم ليسوا من أرباب الوظائف العمومية – بطريق المساعدة مع موظف عام حسن النية، هو المختص بتحرير المحاضر بقسم شرطة قسم شرطة قصر النيل ويدعى مصطفى أبو النيل، في ارتكاب تزوير في محررات رسمية، هي محاضر الجنحة رقم 570 لسنة 2021 جنح قصر النيل، وذلك بجعل واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة، بأن أمدّوه ببيانات مخالفة للحقيقة، فأثبتها الموظف بالمحضر حال تحريره، فوقعت الجريمة بناءً على تلك المساعدة.
كما اشتركوا بطريق الاتفاق والمساعدة مع موظفين عموميين حسني النية، هما سكرتيرا جلسة جنح بنيابة قصر النيل، في تزوير محاضر جلسات الجنحة سالفة الذكر، بعدما أمدّوهما ببيانات غير صحيحة، فأثبتوها بالمحاضر الرسمية أثناء تحريرها، فتمت الجريمة نتيجة ذلك الاتفاق والمساعدة.
ولم يقف الأمر عند حد التزوير، بل استعمل المتهمون المحررات المزورة موضوع الاتهامات السابقة، مع علمهم بتزويرها، بأن قدموها في الجنحة سالفة البيان للاحتجاج بما ورد بها من بيانات غير صحيحة.
وتوصلوا، وفق التحقيقات، إلى الاستيلاء على مبلغ مالي مملوك للمجني عليها أميرة ماهر أحمد عبدالعظيم، وذلك بطريق الاحتيال، بعدما أوهموها بصحة تلك المحررات المزورة، فتمكنوا من الاستيلاء على المبلغ.
كما استعملوا المحررات المزورة أمام المحكمة المختصة في الجنحة موضوع الاتهام الأول، رغم علمهم بتزويرها، وكذلك بتزوير إيصال الأمانة محل الواقعة.
وتضمنت الاتهامات اشتراكهم مع آخر مجهول بطريق الاتفاق والمساعدة في تزوير محرر عرفي، هو إيصال الأمانة محل الاتهام في الجنحة رقم 7570 لسنة 2021 جنح قصر النيل، بطريق الاصطناع، إذ قام المجهول باصطناعه على غرار إيصال صحيح، وضمنه – على خلاف الحقيقة – أن المتهمة تسلمت المبلغ المبين به على سبيل الأمانة من المجني عليها، ومهره بتوقيع منسوب إليها زورًا، ثم استعملوه فيما زُوِّر من أجله، بأن قدمه المتهم للمختص بتحرير المحاضر بقسم شرطة قصر النيل، وأمام المحكمة المختصة أثناء نظر الجنحة سالفة البيان المحررة ضد أميرة ماهر أحمد، محتجًا بما ورد به من بيانات غير صحيحة.
وكانت محكمة أول درجة قد نظرت الدعوى، وقضت بجلسة 13 يناير 2025 حضوريًا بمعاقبة المتهم بالحبس المشدد لمدة خمس سنوات، مع إلزامه بالمصروفات الجنائية، عملًا بمواد الاتهام الواردة بأمر الإحالة.
ولم يلقَ هذا الحكم قبولًا لدى المحكوم عليه، فطعن عليه بطريق الاستئناف رقم 1655 لسنة 6 قضائية، المقيد برقم 51 لسنة 2024 جنايات مركز ملوي.
وقبل النطق بالحكم، أكدت المحكمة أن مهنة المحاماة، كما استقر في ضمير العدالة ونص عليه الدستور والقانون، ليست مجرد حرفة أو وسيلة للكسب، وإنما رسالة سامية قوامها الصدق، وأساسها الأمانة، وغايتها نصرة الحق وإعلاء سيادة القانون، وهي شريكة للسلطة القضائية في تحقيق العدالة، لا أداة للغش ولا مطية للتحايل.
وأوضحت المحكمة أن المحامي، وقد اختصه المشرّع بثقة خاصة ومنحه صلاحيات استثنائية، يُفترض فيه النزاهة والاستقامة، وأن يكون أمينًا على حقوق موكليه، حارسًا لأسرارهم، ناصحًا لا غادرًا، ومدافعًا لا متربصًا. فإذا خان هذه الثقة وانحرف عن جادة الشرف، سقطت عنه قدسية الرسالة، وتحولت الأداة المشروعة إلى وسيلة إجرامية تستوجب العقاب.
وثبت للمحكمة – على وجه الجزم واليقين – أن المتهم، وهو محامٍ، استغل صفته المهنية، واستباح ما أُودع لديه من ثقة، مستخدمًا التوكيل الصادر له من موكلته استخدامًا منافيًا لغايته، ومتجاوزًا حدود الأمانة، ومتوسلًا بالغش والتدليس، قاصدًا الإضرار بها، ومستحصلًا بذلك على حكم بالحبس ضد من كان واجبه الأول حمايتها لا الزج بها في أتون العقاب.
وشددت المحكمة على أن ما اقترفه المتهم لا يُعد خطأً مهنيًا أو زلة تقدير، بل خيانة صريحة للأمانة، واعتداءً صارخًا على شرف المهنة، وانحدارًا أخلاقيًا يبلغ حد الجريمة الجنائية المكتملة الأركان، إذ جمع بين سوء القصد، واستغلال الصفة، وتزوير الحقيقة، وتحريف إرادة الموكل، بما يهدر الثقة العامة في منظومة العدالة.
وأكدت المحكمة أن خيانة الأمانة متى اقترنت بصفة المحامي تكون أشد وقعًا وأعظم خطرًا، لأن آثارها لا تقف عند حد الإضرار بالمجني عليه، بل تمتد إلى زعزعة الثقة في العدالة ذاتها، باعتبار أن المحامي أحد جناحيها، والنيل منه يُعد مساسًا بمرفق من أرفع المرافق العامة شأنًا.
واختتمت المحكمة حيثياتها بالتأكيد على أن الردع في مثل هذه الجرائم لا يكون رحيمًا، ولا العقاب شكليًا، إذ إن التساهل مع من خانوا الرسالة يمثل تشجيعًا ضمنيًا على العبث بالحقوق وتقويضًا لهيبة القانون، ومن ثم فإن إنزال العقاب الرادع بالمتهم هو صون للمهنة قبل أن يكون جزاءً للجريمة، وحماية للمجتمع قبل أن يكون عقابًا للفرد
فأصدرت المحكمة حكمها المتقدم في القضية














