بقلم: أحمد رفعت
(كبير معدي البرامج بالهيئة الوطنية للإعلام)
نشأت مثل كثير من المصريين على أجواء شهر رمضان في القاهرة، حيث يحمل هذا الشهر روحًا خاصة لا تشبه أي وقت آخر في العام. مع اقتراب رمضان تبدأ الشوارع في الاستعداد لاستقباله؛ الزينة المعلقة بين البيوت، والفوانيس المضيئة في أيدي الأطفال، وأصوات الباعة في الأسواق وهم يعرضون مستلزمات الشهر الكريم. كانت هذه التفاصيل الصغيرة تصنع حالة من الفرح العام يشعر بها الجميع.
كبرت وأنا أعيش هذه الأجواء مع أسرتي في القاهرة. كنا نجتمع حول مائدة الإفطار في لحظة أذان المغرب، ومع صوت مدفع الإفطار يبدأ الجميع في تناول التمر والماء ثم الطعام الذي أعدته الأم بحب. وبعد الإفطار تمتلئ الشوارع بالحياة؛ المصلون يتجهون إلى المساجد لأداء صلاة التراويح، بينما يخرج الناس للتنزه أو زيارة الأقارب والأصدقاء في ليالٍ رمضانية مليئة بالدفء والبهجة.
لكن عملي في التلفزيون المصري أتاح لي تجربة مختلفة تمامًا. فقد سافرت ضمن فريق عمل لتصوير عدة أفلام وثائقية عن عادات وطقوس شهر رمضان لدى المسلمين في الصين، وتحديدًا في منطقة شينجيانغ حيث تعيش قومية الويغور المسلمة. كانت الرحلة فرصة مهنية مهمة، لكنها في الوقت نفسه كانت تجربة إنسانية ثرية جعلتني أرى رمضان في ثقافة مختلفة.
منذ وصولي لاحظت أن روح رمضان حاضرة بقوة في تلك المنطقة. فالمساجد هناك تمتلئ بالمصلين في أوقات الصلاة، خصوصًا في صلاة التراويح، حيث يصطف الرجال والشباب وكبار السن في صفوف طويلة داخل المساجد وساحاتها. كان المشهد مهيبًا ومؤثرًا، يعكس مدى ارتباط الناس هناك بالشهر الكريم وبالعبادة.
أما مائدة الإفطار لدى الويغور فكانت تحمل طابعًا مختلفًا عما اعتدنا عليه في مصر. فبينما يبدأ كثير من المسلمين إفطارهم بالتمر، لاحظت أن التمر ليس متوفرًا لديهم بالشكل المعتاد، لذلك يعتمد كثير منهم على تناول البطيخ في بداية الإفطار. كان منظر قطع البطيخ الحمراء حاضرًا على معظم الموائد، حيث يبدأ الصائمون به قبل تناول بقية الأطعمة. وقد أخبرني بعضهم أن البطيخ يمنح الجسم ترطيبًا بعد ساعات الصيام الطويلة، لذلك أصبح جزءًا من عادات الإفطار لديهم.
كما تضم موائدهم أطباقًا تقليدية متنوعة من الأرز واللحم والخبز المحلي، إلى جانب الشوربات الساخنة. كانت العائلات تجتمع حول هذه الموائد في أجواء من الألفة والبساطة، تشبه كثيرًا ما نراه في البيوت المصرية رغم اختلاف الأطعمة.
ما ترك أثرًا خاصًا في نفسي هو طيبة الناس هناك. خلال أيام التصوير كان كثير من الأهالي يدعوننا لمشاركتهم الإفطار، ويحرصون على الترحيب بنا وكأننا ضيوف من أهل البيت. شعرت أن روح رمضان تجعل الناس أقرب إلى بعضهم البعض مهما اختلفت اللغة أو الثقافة.
وفي ليالي رمضان كانت الأسواق الشعبية تظل مفتوحة، بينما يتوجه الناس إلى المساجد أو يجتمعون في الساحات والطرق القريبة منها. كان الهدوء يميز هذه الليالي، مع حضور واضح للأجواء الروحانية التي تملأ المكان.
عندما عدت من هذه الرحلة أدركت أن رمضان، رغم اختلاف العادات والتقاليد بين بلد وآخر، يظل يحمل المعنى نفسه في قلوب المسلمين جميعًا. فهو شهر يجمع الناس حول العبادة والرحمة والتواصل الإنساني.
وبين ذكريات رمضان في شوارع القاهرة، وتجربتي في “شينجيانغ” بين أهلها الطيبين، بقي لدي شعور جميل بأن هذا الشهر المبارك قادر دائمًا على جمع القلوب، وأن روح رمضان واحدة مهما ابتعدت المسافات.













