تشير د. دعاء محيي الدين، أستاذ الذكاء الاصطناعي بكلية الحاسبات ونظم المعلومات في الجامعة المصرية الصينية، إلى أن تطور الذكاء الاصطناعي يفتح مسارًا بحثيًا جديدًا لفهم العلاقة بين الدماغ والقلب، في محاولة لمحاكاة أنماط الإدراك والذاكرة البشرية بصورة أكثر تكاملًا.
وتوضح أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على معالجة ملايين العمليات الحسابية في لحظات واتخاذ قرارات معقدة، ما يزال يواجه سؤالًا علميًا أساسيًا: هل يمكن للآلة أن تحاكي الذكاء البشري بالكفاءة نفسها؟ فالنماذج الحالية، على قوتها الحسابية، تفتقر إلى التكامل الحسي الذي يميز الإدراك البشري، خصوصًا في مجالي الذاكرة والانفعال.
وتضيف أن الأبحاث الحديثة بدأت تتجاوز الفهم التقليدي للدماغ بوصفه نظامًا يعتمد على الإشارات الكهربائية والتفاعلات الكيميائية فقط، لتبحث في إمكانات نماذج أوسع تدمج بين ما يُعرف بذاكرة الدماغ وأنماط الإشارات الفسيولوجية الصادرة عن القلب. وتشير دراسات في مجال علم الأعصاب القلبي إلى أن القلب يحتوي على جهاز عصبي ذاتي يُعرف بـ Intrinsic Cardiac Nervous System يضم نحو 40 ألف خلية عصبية، ويتواصل مباشرة مع الدماغ عبر العصب الحائر، في تفاعل يُعرف بالتزامن القلبي الدماغي.
وبحسب محيي الدين، فإن هذا التفاعل دفع بعض الباحثين إلى محاولة إدخال الإشارات الفسيولوجية للقلب مثل تباين معدل ضربات القلب (HRV) ضمن نماذج الذكاء الاصطناعي، بوصفها متغيرًا يمكن أن يعكس الحالة الفسيولوجية أو العاطفية للجسم، بما يسمح ببناء خوارزميات تحاكي بصورة أدق تداخل العمليات المعرفية والانفعالية لدى الإنسان.
وتلفت إلى أن الذاكرة الدماغية بحد ذاتها تُعد مجالًا راسخًا في علم الأعصاب، إذ تشمل أنماطًا متعددة مثل الذاكرة قصيرة المدى وطويلة المدى والذاكرة الدلالية والإجرائية والعاطفية، وتعتمد بيولوجيًا على ما يُعرف باللدونة المشبكية وتقوية الاتصالات العصبية. وقد نجحت الشبكات العصبية الاصطناعية بالفعل في محاكاة أجزاء كبيرة من هذه العمليات عبر نماذج رياضية مثل الشبكات المتكررة ونماذج الذاكرة طويلة المدى.
غير أن الاتجاه البحثي الجديد، بحسب محيي الدين، يسعى إلى بناء طبقات نمذجة إضافية تدمج بين المدخلات المعرفية والبيولوجية، بحيث تصبح الأنظمة الذكية قادرة على تحليل الإشارات الإدراكية والفسيولوجية معًا ضمن نموذج رياضي واحد. ويعني ذلك نظريًا الانتقال من مجرد محاكاة السلوك البشري إلى محاكاة أكثر تعقيدًا للأنماط الإدراكية والعاطفية.
وتؤكد أن هذه المقاربة ما تزال في طور البحث العلمي، وتحتاج إلى بيانات وتجارب موسعة قبل أن تتحول إلى تطبيقات عملية، لكنها قد تمثل خطوة جديدة في مسار تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على فهم السياق الإنساني بصورة أعمق، وليس فقط معالجة البيانات أو تقليد أنماط السلوك الظاهر.