بقلم : د.ياسمين جمال
(باحثة دكتوراه في الاعلام التربوي ،جامعة عين شمس)
نعيش في زمن لم يعد فيه الطفل يعاني من نقص في المعلومة أو الترفيه، بل أصبح محاصرًا بفيض هائل من المحتوى الذي يتدفق إليه بلا توقف. شاشات في كل مكان، ورسائل لا تنتهي، وأصوات متداخلة تحاول جميعها أن تجذب انتباهه وتشكّل وعيه. ومع هذا الواقع، يبدو السؤال الحقيقي مختلفًا عمّا نتصوره: هل يحتاج أطفال اليوم إلى مزيد من المحتوى؟ أم أنهم في حاجة أشد إلى الاحتواء الإنساني الذي افتقدوه وسط هذا الزحام؟
لقد أصبح المحتوى حاضرًا بوصفه حلًا سريعًا لكل شيء؛ نلجأ إليه لإشغال الطفل، وتهدئته، وإسكاته، بل وأحيانًا لتعويض غيابنا عنه. ومع الوقت، يتحول المحتوى من وسيلة إلى بديل، ومن أداة مساعدة إلى مساحة أساسية في حياة الطفل. غير أن هذا الاعتماد المفرط لا يلبّي الاحتياجات النفسية العميقة، لأن الطفل لا ينمو بالمشاهدة وحدها، بل بالعلاقة، وبالشعور بأنه مرئي ومسموع ومفهوم.
ومن ناحية أخرى، يتلقى الطفل اليوم محتوى يفوق قدرته على الاستيعاب. فالأخبار، والصور، والقصص، والمشاهد المتلاحقة لا تأتي دائمًا في إطار يناسب مرحلته العمرية أو نضجه النفسي. وقد تبدو هذه المواد عادية في نظر الكبار، لكنها بالنسبة للطفل تحمل شحنات انفعالية قد تثير الخوف أو القلق أو الارتباك. وفي غياب الاحتواء، لا يجد الطفل من يشرح له أو يخفف عنه أو يعيد ترتيب ما تلقاه، فتتراكم المشاعر داخله بصمت.
كذلك، فإن كثرة المحتوى لا تعني بالضرورة جودة التجربة. فالطفل قد يضحك أمام الشاشة، لكنه لا يشعر بالأمان. وقد ينشغل لساعات، لكنه لا يشعر بالانتماء. فالمحتوى يملأ الوقت، لكنه لا يملأ الفراغ العاطفي. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين التفاعل الرقمي والتفاعل الإنساني؛ فالأول مؤقت وسريع الزوال، بينما الثاني يترك أثرًا طويل الأمد في بناء الشخصية.
الاحتواء في جوهره، ليس فعلًا معقدًا أو ممارسة استثنائية، بل هو حضور حقيقي يشعر به الطفل قبل أن يسمعه. أن يجد من يصغي إليه دون استعجال، ومن يتعامل مع مشاعره بجدية، لا بتقليل أو سخرية. أن يشعر بأن له مكانًا آمنًا يعود إليه حين يختلط عليه الأمر أو يثقل عليه ما يراه ويسمعه. وهذا النوع من الاحتواء لا يمكن أن تصنعه شاشة، مهما كان محتواها جذابًا أو متطورًا.
ومن جهة أخرى، فإن الطفل المحتوى نفسيًا يكون أكثر قدرة على التعامل مع الإعلام دون أن يذوب داخله. فالعلاقة الآمنة داخل الأسرة تمنحه مرجعية ثابتة، وتساعده على التمييز بين ما يُعرض عليه وما يناسبه، وبين الواقع والصورة المبالغ فيها. كما أن الاحتواء يفتح باب الحوار، ويجعل التفسير ممكنًا، بدلًا من المنع أو التجاهل، ويمنح الطفل أدوات داخلية تحميه حتى في غياب الرقابة المباشرة.
ولا يتوقف الاحتواء عند مرحلة الطفولة فقط، بل يزداد أهمية في مرحلة المراهقة، حين تتضخم الأسئلة وتتداخل المشاعر. فالمراهق، رغم محاولاته لإظهار الاستقلال، يكون في أمسّ الحاجة إلى من يحتوي قلقه وتخبطه دون ضغط أو استجواب. ومع غياب هذا الاحتواء، قد يلجأ إلى المحتوى الرقمي بحثًا عن بديل، فيجد فيه إجابات سطحية أو نماذج مشوشة لا تزيده إلا حيرة.
وفي هذا السياق، لا يمكن إعفاء الإعلام من المسؤولية، فالمحتوى الموجّه للأطفال والمراهقين ينبغي أن يراعي البعد الإنساني، لا أن يكتفي بالجذب والإثارة. كما أن دور الأسرة يظل هو الأهم، لأن الاحتواء لا يُستورد من الخارج، بل يُبنى داخل البيت، من خلال العلاقة اليومية، والكلمة الصادقة، والاهتمام الحقيقي.
لذا، يمكن القول إن التحدي الأكبر في عصر المحتوى المفتوح ليس في تقليل ما يُعرض على أطفالنا فقط، بل في تعويض ما لا يستطيع المحتوى تقديمه. فالطفل لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من الفيديوهات، أو التطبيقات، أو البرامج، بقدر ما يحتاج إلى علاقة يشعر فيها بالأمان، والقبول، والدعم. وحين ندرك أن الاحتواء هو الأساس، يصبح المحتوى مجرد وسيلة مكملة، لا بديلًا عن العلاقة الإنسانية التي تصنع طفلًا متوازنًا، ووعيًا آمنًا، ومستقبلًا أكثر طمأنينة.














