ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة..وضيفتنا في هذه السطور الأديبة الشابة جومانة فرج والتي أهدت بوابة الجمهورية والمساء أون لاين نصها الأدبي “أمي”، والذي يجمع ما بين القصة والنثر الأدبي المتقن ننشرها عبر هذه السطور ..
🍂
أُمي
كانت الأمُّ تشبهُ شجرةً قديمةً تقف عند طرف الطريق؛ لا يراها العابرون طويلًا، لكنهم يستظلون بظلها دون أن يسألوا كم مرة قاومت الريح.
كلُّ صباحٍ كانت تجمع تعبها كما تجمع الأوراق المتساقطة، وتخفيه تحت ابتسامةٍ صغيرةٍ لا ينتبه لها أحد.
كنتُ أظنُّ أن العالم واسع، حتى اكتشفتُ أن حضنها كان الخريطة الوحيدة التي أعرفها.
حين كنتُ أسقط، كانت لا تسأل لماذا سقطت، بل تمسح الغبار عن قلبي قبل ركبتي.
وفي الليل، حين ينام الجميع، كانت تترك جزءًا من روحها ساهرًا عند باب أحلامي.
لم تكن تقول كثيرًا إنها تحبني، لكنها كانت تطهو الحب في كل وجبة، وتحيكه في أطراف ثيابي.
ومع مرور السنوات فهمتُ أن الأمهات لا يعشن لأنفسهن؛ إنهن يزرعن أعمارهن في أعمارنا.
وحين كبرتُ قليلًا، أدركتُ أن يدي التي تمسك بيدي لم تكن يدًا فقط، بل وطنًا كاملًا.
لهذا، كلما ضاق العالم، أبحث عنها كما يبحث الغريق عن اليابسة.
فالأم ليست شخصًا في حياتنا… بل الحياة حين تقرر أن تمنحنا فرصةً أخرى لننجو.
وحين تأملتُ الأيام من بعيد، فهمتُ أن قلبها كان يشبه مصباحًا صغيرًا في عتمة الطريق؛ يحترق بصمت كي لا نتعثر.
كانت تخبئ خوفها كما تخبئ الرسائل القديمة، في مكانٍ لا يصل إليه أحد.
وكلما تقدم بنا العمر، أدركنا أن كل خطوةٍ ثابتةٍ في حياتنا كان خلفها دعاءٌ خفيٌّ منها.
الأم لا تطلب شيئًا، لكنها تمنح كل شيءٍ كما لو أن العطاء لغتها الوحيدة.
ولهذا، حين يشتد صخب العالم، يبقى اسمها الهمسة الوحيدة القادرة على أن تعيد السلام إلى القلب.














