بقلم ✍️ د.حنان سالم
(دكتوراة الفلسفة المعاصرة كلية الآداب-جامعة العريش)
حين تنزل الفلسفة لأرض الواقع، تحلل، تفسر، وتبحث عن حلول مبتكرة للمشكلات. فإنها مرآة تعكس الواقع المحيط، لتتحول الحياة الفكرية من جدران الأفكار الاكاديمية المجردة إلى إجراءات تطبيقية وعملية في السلوك وأسلوب الحياة.
فالفلسفة تسكن فينا لا في ” البرج العاجي” المزعوم، وهي ليست “ميتافيزيقا” تبحث في ما وراء الطبيعة بل هي الوجود ذاته بكل جوانبه المادية والروحية، وليست ترفا فكريا بل مسؤولية أخلاقية..فهي عقل وضمير العصر و مرآة الواقع المعيش، لا نتعلمها بل تعلمنا ممارسة الاشتباك بالواقع، نتعلم بها كيف نبحث في ذواتنا، نبني جسور للتواصل مع الآخر، فهي تعزز فينا التفكير المنظم وتحقق الرؤية المستقبلية للأجيال. وهي أداة فعالة للتساؤل المستمر، والحوار الايجابي، والتسامح الفكري وتقديم الحلول لجل مشكلاتنا.
ولم تكن الفلسفة يوما بعيدة عن الإنسان، بل موجودة في كل تفاصيل الحياة، فهي النور المضيء للبحث في معني الحياة وأهدافها، وهي المرآة التي نري فيها واقعنا الأخلاقي والاجتماعي، حيث تعزز فينا القيم الاجتماعية، والأخلاق المسؤولة، والاحترام المطلق لكل شيء، فهي بناء لكيان الإنسان ووجوده.
الفلسفة درب من دروب الحضارة فهي بمثابة الضوء الذي ينير الطريق بالتفكير المنظم والمنطق العقلي السليم، فكل الحضارات بنيت علي أساس العقل والمنطق والعلم.. وهي من تضطلع بالبحث ومحاولة الإجابة عما يدور في فلك التفكير وفضاء المعرفة من تساؤلات وجودية وجوهرية، فكان من اهتمامتها في العصر الحاضر وبعد ظهور الفلسفة التطبيقية أن تولي اهتماما للبيئة المحيطة بالإنسان، ترصد عناصرها وظواهرها لتحدد علاقة الإنسان بالبيئة، وتوجه علاقته بالأشياء علي نحو حيادي بعيدا عن مركزية الإنسان وسطوته علي الطبيعة في حقبة سابقة من علاقته بها.
وفي ظل التطورات التقنية والتكنولوجية الحديثة، وما خلفته ولاتزال من أثار سلبية علي الطبيعة والإنسانية، بالإضافة إلى التغيرات المناخية الحادثة في العالم، والتحديات البيئية من حولنا، التي بلغت حد الإضرار بالأجيال القادمة، ما له تأثير مباشر علي حقهم في الحياة الطبيعية والصحية، والبيئة المناخية النقية، التي قد تحد من حقوقهم الاخلاقية والفكرية، ما لم تتدخل الهيئات المنوطة والقطاعات العلمية والبيئية في الحفاظ علي حقوق الأجيال.
هنا يبرز سؤال وجودي مهم عن علاقة الإنسان بالطبيعة : هل سيصبح الإنسان صديقا للبيئة؟ بمعني آخر هل سيأتي يوما يوجد فيه تناغما وانسجاما بينهما؟
من ثم نجد أنفسنا في عوز شديد في الوقت الحالي لدور الفلسفة التطبيقية في التأسيس لأخلاق البيئة وتحديد مسؤوليتنا تجاهها، والبحث في كيفية الحفاظ على هذه الحقوق،
حيث احترام الطبيعة في حد ذاتها- الايكولوجيا العميقة- واحترام الكائنات الأخرى ” أخلاقيات البيئة” ، والعدالة البيئية في حق الأجيال في التمتع بمواردها بما لايخل بقانون ” لا ضرر ولا ضرار “، من أجل تحقيق التنمية المستدامة والحفاظ علي بيئة صالحة لكل الأجيال، وذلك من خلال التفكير النقدي والوعي البيئي لفهم أخلاقيات الايكولوجيا من منطلق الحث على التنمية المستدامة والاهتمام بتحقيق أهدافها على المدى البعيد.
وقد كثف فلاسفة كثر جهودهم من أجل تحقيق التنمية المستدامة، والحفاظ علي جماليات البيئة وحماية حقوق الأجيال، أشهرهم ابن خلدون، ابن الرضوان، ألدوليبولد، هانز يوناس، أرني نيس، دانيال كالاهان، ميشال سير ، أندرو لايت وغيرهم..
فالفلسفة ليست مجرد شعارات نظرية أو وجهات نظر مجردة، وإنما هي أداة فعالة لتحقيق التنمية المستدامة، وتطبيق أخلاقيات البيئة من أجل سلوكيات أكثر استدامة وحماية للأجيال جميعها.
ومن واقع التجربة الشخصية، انتهيت إلي أن الفلسفة رحلة حياة تبدأ بفهم الذات، تبحث في الأعماق، وتكشف عن الأهداف والطموحات، لتجعل لحياة الإنسان معني وقيمة، انطلاقا من منطق ” أعرف نفسك”، فلننشر الفلسفة في كل مكان ونجعلها أسلوب حياة متجدد ونور لا ينطفيء.
يقول د. صلاح عثمان في ” هل نجرؤ علي التفلسف”:
الفلسفة لا تمنح وعودًا بالخلاص، ولا تبيع أوهام الطمأنينة، لكنها تهب ما هو أثمن وأخطر معًا: الوعي بالذات، والحرية المسؤولة، والشجاعة الأخلاقية في مواجهة الأسئلة الكبرى. ومن دونها، قد نمتلك كل شيء: السلطة، والثروة، واللغة، والتاريخ … إلا أنفسنا!.
#














