»» عرض مبهج في أجواء رمضانية
يرصد مفارقات الحياة اليومية في القرية والمدينة
شهد مسرح مكتبة مصر العامة بالإسماعيلية مساء أمس الخميس 12 مارس 2026 عرض المسرحية الكوميدية الاجتماعية “هنا زي هناك ” وهي من تأليف وإخراج تامر صبحي، وذلك في أمسية فنية مميزة تزامنت مع إحدى ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، حيث اجتمع جمهور كبير من محبي المسرح والثقافة في المدينة لمتابعة عرض مسرحي اتسم بالحيوية والمرح والتفاعل.

وقد جاء العرض في أجواء رمضانية دافئة اتسمت بالبهجة والروح الثقافية الراقية، حيث تحولت قاعة المسرح إلى مساحة نابضة بالحياة تجمع بين الفن والجمهور، في ليلة أثبتت من جديد أن المسرح ما زال قادرا على جمع الناس حول المتعة والفكرة والرسالة الإنسانية.
فكرة المسرحية ورسالتها:
تدور أحداث مسرحية “هنا زي هناك ” في إطار كوميدي اجتماعي ساخر، حيث تتناول مفارقات الحياة اليومية التي يعيشها الناس في المجتمع، من خلال مقارنة طريفة بين ما يحدث في المدينة وما يجري في القرية، ومن خلال سلسلة من المواقف الكوميدية المتتابعة، تكشف المسرحية أن اختلاف المكان لا يعني بالضرورة اختلاف الطباع أوالمشكلات، فالسلوك الإنساني يتكرر بأشكال مختلفة في كل البيئات.
وتسعى المسرحية عبر هذا الطرح البسيط والعميق في آن واحد إلى التأكيد على فكرة إنسانية مفادها أن البشر، رغم اختلاف مواقعهم الاجتماعية أو الجغرافية، يتشابهون في كثير من التفاصيل اليومية، وأن ما نراه غريبا في مكان قد نجده بصورة أخرى في مكان مختلف، ومن هنا جاء عنوان العمل “هنا زي هناك ” ليجسد هذه الفكرة في صيغة ساخرة وخفيفة الظل.
ويعتمد العرض على الكوميديا الاجتماعية القائمة على المواقف الساخرة والحوار السريع، حيث تتوالى الأحداث في إيقاع حيوي يبرز التناقضات الإنسانية ويحولها إلى مادة للضحك والتأمل في الوقت نفسه، وقد نجح النص في تقديم نماذج بشرية قريبة من الواقع، بحيث يرى المشاهد في كل شخصية جزءا من حياته أو من المجتمع الذي يعيش فيه.

إقبال جماهيري كبير:
شهد العرض حضورا جماهيريا لافتا، حيث امتلأت صالة المسرح بالكامل قبل بدء العرض بوقت قصير، في مشهد يعكس حجم الاهتمام الذي يحظى به النشاط المسرحي في مدينة الإسماعيلية، ولم تقتصر الحماسة على الحاضرين داخل القاعة، بل وصل عدد كبير من الجمهور إلى المسرح على أمل متابعة العرض، غير أن المئات لم يتمكنوا من الدخول بسبب اكتمال المقاعد وعدم وجود أماكن شاغرة.
وقد عكس هذا الإقبال الكبير تعطش الجمهور المحلي للعروض المسرحية الجادة التي تجمع بين المتعة والفكرة، كما أكد أن المسرح ما يزال يحتفظ بمكانته كأحد أهم الفنون القادرة على التواصل المباشر مع الجمهور.
وخلال العرض، بدا التفاعل واضحا بين الممثلين والجمهور، حيث ترددت أصداء الضحكات في القاعة مع كل موقف كوميدي، بينما كانت التصفيقات الحارة تتكرر في لحظات عديدة من العرض، تعبيرا عن إعجاب الحضور بأداء الفريق المسرحي وبالمواقف الطريفة التي قدمها العمل.
حضور نخبة من المثقفين والنقاد:
لم يقتصر الحضور على الجمهور العام فقط، بل شهدت الأمسية أيضا حضور نخبة مميزة من النقاد والأدباء والمفكرين ورجال المسرح الذين حرصوا على متابعة العرض، وبعد انتهاء المسرحية، ألقى عدد من رموز الحركة المسرحية كلمات قصيرة أعربوا فيها عن تقديرهم للعمل وعن إعجابهم بالمستوى الفني الذي قدمه الفريق.
ومن بين هؤلاء المخرج المسرحي الكبير محسن الضعيفي، الذي أشاد بفكرة العمل وبالطاقة التي قدم بها الممثلون أدوارهم على خشبة المسرح، كما تحدث الكاتب والمخرج المسرحي الكبير مجدي مرعي عن أهمية الكوميديا الاجتماعية في التعبير عن قضايا المجتمع بأسلوب بسيط ومباشر يصل إلى الجمهور بسهولة.
كذلك ألقى الكاتب والمخرج أحمد الجابري كلمة أكد فيها أن العرض قدم نموذجا جيدا للمسرح القادر على المزج بين الفكاهة والرسالة الإنسانية، بينما أشاد الكاتب والمخرج المسرحي أحمد نجم بروح العمل الجماعي التي ظهرت بوضوح في أداء الممثلين، معتبرا أن هذه الروح هي أحد أسرار نجاح العرض.
وقد جاءت كلمات الضيوف لتعكس تقدير الوسط الثقافي والفني في الإسماعيلية لهذا العمل، كما شكلت لحظة تقدير معنوي للفريق المسرحي الذي بذل جهدا كبيرا في إعداد العرض.
وخلال الأمسية، قدم فريق العمل تحية خاصة لإبراهيم عبدالرحيم، نقيب المحامين بالإسماعيلية، تقديرا لدعمه للفريق المسرحي خلال فترة الإعداد للعرض، فقد أتاح مقر نادي المحامين ليكون مكانا لإجراء البروفات، وذلك في ظل وجود أعمال صيانة وتجديدات تقنية كانت تشهدها قاعة مسرح مكتبة مصر العامة خلال فترة التحضير للمسرحية.
وقد أعرب أعضاء الفريق عن امتنانهم لهذا الدعم الذي ساعدهم على الاستمرار في التدريبات والاستعداد للعرض حتى خرج إلى الجمهور في صورته النهائية.
إشراف ثقافي وتنظيمي:
جاء تنظيم العرض تحت إشراف الأستاذة أمل رجب، مديرة مكتبة مصر العامة بالإسماعيلية، التي تحرص على دعم الأنشطة الثقافية والفنية داخل المكتبة، وتقديم فعاليات تسهم في تنشيط الحركة الثقافية في المدينة.
وتعد مكتبة مصر العامة بالإسماعيلية واحدة من أهم المؤسسات الثقافية في المحافظة، حيث تستضيف على مدار العام العديد من الندوات والأنشطة الفنية والعروض المسرحية التي تستهدف نشر الثقافة وتعزيز التواصل بين المبدعين والجمهور.


فريق العمل:
شارك في تقديم هذا العرض المسرحي فريق متنوع من الممثلين الذين جسدوا شخصيات المسرحية بروح جماعية واضحة، وهم:
مدحت الخطيب – أكرم حسين – نبيل بوشكاش – أسامة حسين – نادي علي – طه بدري – عبد المنعم صقر – ممدوح إبراهيم – شمس – فاطمة مسعود – أفنان – علي بوكس – يوسف وسام – علي موسى – إسلام عفرتو – علاء فرج.
كما شارك في العرض مجموعة من الأطفال الذين أضفوا حضورا مبهجا على خشبة المسرح، وهم:
روضة – رودينا – خلود – يوحنا.
وساهم في نجاح العمل كل من مهندس الصوت سيد بكار، ومهندس الإضاءة مايكل منير، ومهندس التصوير عبد الرحمن كاريزما، وادارة مسرح ليل جمال.
وقد أظهر الفريق المسرحي انسجاما واضحا في الأداء، حيث اعتمد العرض على روح العمل الجماعي وتكامل الأدوار، وهو ما ساعد على خلق حالة من التفاعل الحيوي مع الجمهور طوال مدة العرض.
تأليف وإخراج:
المسرحية من تأليف وإخراج تامر صبحي، الذي قدم من خلالها تجربة مسرحية تعتمد على الكوميديا الاجتماعية والطرح الإنساني البسيط، حيث استطاع عبر النص والإخراج أن يصنع عرضا خفيف الظل يحمل في طياته رؤية اجتماعية تعكس بعض مظاهر الحياة اليومية في المجتمع.
وقد اعتمد الإخراج على الإيقاع السريع والحوار الحي، مما أتاح للممثلين مساحة للتفاعل مع الجمهور، وأضفى على العرض طابعا حيويا جعل المشاهد يشعر بأنه جزء من الأحداث.
أمسية رمضانية فنية مميزة:
في نهاية الأمسية، اتفق الحضور على أن عرض ” هنا زي هناك ” كان واحدا من الأمسيات الرمضانية الفنية المميزة في مدينة الإسماعيلية، حيث جمع بين الفن والكوميديا والرسالة الاجتماعية في إطار ممتع.
وقد غادر الجمهور القاعة وهو يحمل انطباعا إيجابيا عن العرض، بينما ظل صدى الضحكات والتصفيق يتردد في المكان، في مشهد يؤكد أن المسرح ما زال قادرا على صنع لحظات إنسانية جميلة تجمع الناس حول الفن والحياة.
وبذلك تسجل هذه الليلة حضورها في ذاكرة الحركة الثقافية بالإسماعيلية كواحدة من الليالي التي اجتمع فيها الفن والجمهور والثقافة تحت سقف واحد، ليؤكد المسرح من جديد أنه فن الحياة الذي يظل قريبا من الناس .. هنا كما هناك.














