بقلم : د.كريمة الحسيني
(مدرس مساعد بكلية الألسن جامعة قناة السويس)
دائمًا ما ارتبطت أجواء العيد في الذاكرة المصرية بصوت أم كلثوم وهي تغني: “يا ليلة العيد أنستينا”. فما إن تُسمع هذه الكلمات حتى يشعر الناس بأن العيد قد اقترب، وكأنها إشارة البدء لفرحة تنتظرها القلوب كل عام. والفائز الحقيقي هو من يترك ليلة العيد تجدد داخله الأمل؛ فهنيئًا له، فقد حصل على جرعة مجانية من الطاقة والسعادة، قادرة على أن تخفف عنه ما يمر به من هموم ومشكلات.
تختلف أجواء العيد من دولة إلى أخرى، لكن للأجواء المصرية طابعًا خاصًا يصعب أن تجده في مكان آخر. فالشارع المصري يعلن قدوم العيد بأضوائه وزينته، وتتعالى فيه ضحكات الأطفال وهم يلعبون ويركبون ما يُعرف بـ“البكاش”، مرددين الأغاني في فرحة بريئة تشبه العيد نفسه.
ولعل عبارة “العيد فرحة” التي غنتها صفاء أبو السعود لم تكن مجرد كلمات أغنية، بل كانت وصفًا صادقًا لحالة يعيشها الناس في هذه الأيام. فأجواء العيد تبعث في النفس شعورًا بالسعادة يختلف تمامًا عن باقي أيام العام. ورغم أن القلوب تحزن قليلًا على وداع الضيف الكريم، شهر رمضان، فإن العيد لا يتركنا طويلًا في هذا الحزن، بل يأتي ليمنحنا لحظة احتفال بعد شهر من الصيام والعبادة.
وعندما نتحدث عن العيد في مصر، لا يمكن أن نغفل ثقافة المطبخ المصري التي تشكل جزءًا أصيلًا من هذه المناسبة. فتجتمع الأسرة معًا لتحضير كحك العيد، ويتفننون في صنعه بأشكال مختلفة وحشوات متنوعة، فيتحول تحضيره إلى طقس اجتماعي يجمع العائلة قبل أن يجمعهم على مائدته.
ولا يمكن أيضًا أن ننسى تلك الوجبة المثيرة للجدل التي لا تتناسب رائحتها القوية مع شعبيتها الكبيرة، وهي الفسيخ، التي يصر كثير من المصريين على تناولها في أيام العيد، رغم اختلاف الآراء حولها.
ومن أبرز ما يميز العيد أيضًا تلك الروح الاجتماعية التي تعيد الدفء إلى العلاقات بين الناس. فالبيوت تُفتح أبوابها للزيارات، ويتبادل الأقارب والأصدقاء التهاني، وتعود صلة الرحم التي قد تشغلنا عنها تفاصيل الحياة طوال العام. ولا يمكن أن ننسى تقليد العيدية الذي ينتظره الأطفال بشغف كبير؛ فهي ليست مجرد نقود بسيطة يحصلون عليها، بل رمز للفرحة والاهتمام. ومع اجتماع العائلة بعد الزيارات يبدأ نقاش معتاد يتكرر كل عام: هل سنشاهد مسرحية العيال كبرت أم مسرحية سك على بناتك؟ فينقسم الحاضرون بين هذا وذاك، لكنهم يتفقون في النهاية على شيء واحد، وهو أن مشاهدة هذه المسرحيات أصبحت جزءًا ثابتًا من طقوس العيد التي لا تكتمل الفرحة بدونها.
في النهاية، يبقى العيد أكثر من مجرد مناسبة دينية؛ فهو حالة من البهجة الجماعية التي يعيشها الناس معًا. ففيه تلتقي العائلات، وتتجدد العلاقات، ويشعر الإنسان بأن للحياة لحظات تستحق الاحتفال مهما كانت الظروف.
في النهاية، يبقى العيد أكثر من مجرد طقوس أو عادات متوارثة؛ فهو قبل كل شيء مناسبة دينية شرعها اللّٰه ليجتمع فيها الناس على الفرح بعد الطاعة. ولذلك فإن إظهار الفرح بالعيد ليس مجرد عادة اجتماعية، بل هو تعبير عن تعظيم شعائر اللّٰه، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللّٰهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. ولهذا يستقبل الناس العيد بقلوب ممتنة، وفرحة صادقة، وكأنهم يعلنون أن الطاعة قد أثمرت بهجةً وسكينة، وأن الفرح في مثل هذه الأيام عبادة بحد ذاته.














