بقلم : د.خالد محسن
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وبمشاعر من الحزن العميق ودعنا رمزا من رموز الزمن الجميل أستاذنا ومعلمنا القدير السيد العزاوي مدير عام تحرير المساء الأسبق..ولا راد لمشيئته ويقينه علي عباده..
فالأيام والسنون تمضيان ويقضي الله أمرا كان مفعولا وتتساقط ورقة “رئيسة” من أوراق شجرة “المساء” وارفة الظلال بعد رحلة من العطاء المهني المبدع والإنساني الفياض.
لقد شاء القدر أن يختار فقيدنا الغالي لجواره في أيام مباركة ونحن نودع شهر رمضان المعظم ، فقط ترجل كبير عائلة “المساء” وعمدة “البيت الكبير” إلي رحاب ربه وإلي دار “البقاء” لتصعد روحه الطاهرة لبارئها، تزفها تباشير “عيده” في السماء، بالقبول والمغفرة والفرح بلقاء الله ،وبجوار الرحمن الرحيم العفو الكريم، التي وسعت رحمته السموات والأرض ،وما أعظمها من مكانة ورفعة ومقام.
وبقلوب حزينة ومع الساعات الأولى من يوم عيد الفطر تلقينا بصدمة خبر رحيله ، تاركا إرثا صحفيا متميزا وضخما وبأضعافه تاركا رصيدا من المحبة والتقدير في قلوب أبناء المساء من مختلف الأجيال.
كان أستاذنا الكبير “السيد العزاوي” أحد أعمدة مدرسة “المساء” العريقة وتفرد بأسلوب مهني متميز في الكتابة الصحفية عبر آلاف من الموضوعات والمقالات التي خصصها في عرض القضايا الدينية ونشر مفاهيم وتعاليم ومبادئ الإسلام السمحة ، والتصدي لدعاة العلمانية وبيان وسطية الإسلام وسمو الفكر الديني الراشد ،كما ترك بصمات ولمسات مهنية لا تنسي شملت مختلف إصدارات مؤسستنا العريقة.
وعلي المستوى الإنساني فقد كان كبيرا في كل شيء دائم النصح والارشاد والسؤال عن الغائب والحاضر بلغة إنسانية راقية وتواصل نبيل..كان صديقا لجميع الزملاء والزميلات ، رقيق القلب احبانا وحازما في احيان أخري ،وساعيا للتوفيق بين المتخاصمين وتقريب وجهات النظر واستيعاب الكل وتأليف القلوب علي قلب رجل واحد.
السيد العزاوي لم يكن مجرد أستاذ ومهنيا محترفا، بل كان أبا وأخا لكل فرد من أفراد أسرة المساء، ومنذ أن وطأت قدمي مؤسسة دار التحرير عام 1990، بمركز الدراسات والأبحاث عقب تخرجي في كلية الإعلام ثم التحاقي بالعمل بجريدة المساء في صيف عام 1993، وجدت فيه أبا حنونا وشقيقا وصديقا صدوقا.
كان أستاذنا ناصحا أمينا.. موجها حكيما مهنيا بارعا حريصا علي تدريب الجيل الجديد، وتأهيله بقدرات ومهارات صحفية علمية وعملية وإعداده لتسلم راية الابداع في مدرسة المساء العريقة..
لقد غرس فينا مع أساتذة كبار روح العمل الجماعي ومفهوم الأسرة الصحفية الذي تجاوز حدود الزمالة إلي البيت الكبير العامر بالخير والمحبة والوئام.
وكان يتفقدنا جميعا ويسأل عن أخبارنا وظروفنا الاجتماعية وأسهم في ترشيحنا للتعيين في مؤسستنا العريقة..
تعلمت منه انواعا من الحكمة والصبر والمهنية العالية والدقة في اختيار الموضوعات والصياغة الصحفية المتقنة والاهتمام باللغة العربية وتأليف المفردات ورصانة الكتابة.
وبروح من الدعابة والمرح كنا نسعد بل وتتنافس مع الزملاء لنيل شرف “سهرة المساء” بصحبته وتحت إشرافه لإنتاج الجريدة حتي خروجها من المطبعة مع الساعات الأولى كل صباح.
وكانت سهرات أستاذنا الغالي ولسنوات طويلة او”الحاج سيد العزاوي”، كما يحلو لبعض الزملاء من كبار الصحفيين أن ينادوه ،تتسم بفقرات من الجدية وإنجاز العمل ثم فاصل من أحاديثه المرحة وملاطفته للزملاء ،كل بما يحب وبألقاب خاصة به وتنتهي بإفطار مجمع (فول السمن البلدي من عند عم “عيد” رحمه الله وبعض الفطائر) ،وكنا نلتف حوله، نتجاذب الحديث في كل شيء وقبل الإفطار ،نتفقد البروفات الأولي من نسخ المساء المطبوعة ،وكان يخصص “مكافأة” لمن يستخرج خطأ، لسرعة تداركه حتي تخرج “جريدتنا” الموقرة في أبهي صورة وأكمل حال.
ولما علم أني كنت مهتما بمواصلة الدراسات العليا بمرحلتي الماجستير والدكتوراه كان أول المشجعين والمحفزين والداعمين ،وشرفني بكتابة مقال عن رسالتي لنيل درجة الدكتوراه في الاعلام البيئي من جامعة عين ،وسمها بعنوان: “ابن المساء” نال الدكتوراه بتفوق واستحقاق ،سطرها بكلمات وعبارات من الإشادة والتقريظ، ما تزال محفورة في ذهني،ومعها رصيد خاص من الحب والتقدير في فؤادي.
نبشر أستاذنا الغالي بقول الحق تبارك وتعالى”إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا”فمقاييس الحـب لها معايير اخري،وهناك أشخـاص يستوطنون القلوب بأعمالهم الصالحة وأثرهم الطيب..
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لولا إخوة يتخيرون أطايب الكلام كما يتخيرون أطايب الثمرلما أحببت البقاء في الدنيا .
وقال الشافعي رحمه الله: لولا صحبة الأخيار ومناجاة الحق تعالى بالأسحار ما أحببت البقاء في هذه الدار.
ونبشره أيضا بقوله سبحانه “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا،”خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا” (الكهف:107 ـ 108).
رحم الله أستاذنا الغالي رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى وأحسن نزله ووسع مدخله وتقبل منه صالح الأعمال واجمعنا به في مستقر رحمته..
وخالص العزاء لأسرته الكريمة ولابنه الخلوق الأستاذ محمد السيد العزاوي رئيس تحرير جريدة “البورجوريه إيجسيان”.. وابن شقيقه الأستاذ محمد العزاوي مدير تحرير الجمهورية.
والبقاء لله وسبحان من الدوام وانإ لله وإنا إليه راجعون.
#..














