بقلم : د. لمياء محسن (دكتوراه الإذاعة والتليفزيون ـ كلية الإعلام جامعة القاهرة)
مرحبًا أيها الغريب الذي يشبهني ..كيف حالك مع انكسارات الحياة اليومية؟
لم تعد الانكسارات حدثًا استثنائيًا في حياتنا. لم تعد سقوطًا مدويًا يوقف الزمن.
صارت جزءًا من الإيقاع العادي للأيام:
كلمة قاسية نبتلعها، موقف يهزّ ثقتنا فنبتسم، خسارة لا نمنحها وقت الحداد، تعبًا نؤجله لأن هناك ما يجب إنجازه.
نحن لا ننهار غالبًا، نحن نواصل.
في الحياة اليوم، لا يُسمح لنا بالانكسار طويلًا، فالاستمرار ليس خيارًا ترفيًّا.
الإيقاع سريع، المسؤوليات لا تنتظر، الأداء هو اللغة المعترف بها اجتماعيًا، وأن تبدو متماسكًا أصبح شرطًا غير مكتوب للاستمرار.
ولهذا نتعلم شيئًا بالغ الخطورة:
أن ندير ألمنا… لا أن نعالجه.
نُعيد تعريف الجرح “كخبرة”. نسمّي الصمت “نضجًا”. نُسمّي التحمّل قوة. نقنع أنفسنا أن الاستمرار دليل تعافٍ.
لكن الاستمرار ليس شفاءً. إنه قدرة على العمل رغم الجروح التي لم تجد وقتًا لتلتئم.
عقولنا بارعة في النجاة. تعرف كيف تخطط، تُنجز، تُنتج، تتكيّف. تعرف كيف تبني طبقة صلبة فوق منطقة رخوة. لكن الروح لا تعمل بالمنطق ذاته.
الروح لا تكتفي بأن “نمشي الأمور”، ولا تُرمَّم بالإنجاز، ولا تشفى لأننا نجحنا في الاختبار أو اجتزنا الأزمة.
ربما المشكلة ليست في أننا ننكسر، فالانكسار جزء من إنسانيتنا.
المشكلة أننا لا نمنح أرواحنا حق الترميم.
نطالبها أن تواصل كما لو لم تتألم، أن تُضيء كما لو لم يخفت نورها، أن تمنح المعنى… وهي لم تجد من يُصغي إليها.
نعم، يمكن للإنسان أن يعمل بروحه المكسورة، ينجز، يبتسم، ويبدو طبيعيًا. لكن حين تخفت الروح، يتحوّل الاستمرار إلى حركة بلا حياة.
وهنا يظهر ثمن الاستمرار الحقيقي.
كل يوم ننجح فيه في أداء دورنا الخارجي دون أن نلتفت لما يحدث في الداخل، ندفع شيئًا من صفائنا. كل مرة نقول “أنا بخير” كي نمضي، نؤجل لقاءً ضروريًا مع ذواتنا.
الحياة لن تتوقف كي نلتقط أنفاسنا. لكن هذا لا يعني أن أرواحنا لا تحتاج إلى ذلك.
لسنا مطالبين أن نكون أقوياء طوال الوقت. ولا أن نُتقن الصمود بلا توقف.
القوة ليست في إنكار الألم، بل في الاعتراف به.
أن نقول: نعم، تألمت. انكسرت، أحتاج من يسمعني دون حكم، ومن يمدّ يدًا آمنة تقول: لا بأس… سنرمم هذا معًا.
ربما الحفاظ على الروح لا يكون بالصلابة الدائمة، بل بالمساحة التي نمنحها لها كي تضعف قليلًا،
كي تبكي، كي تستعيد نورها.
الاستمرار سهل، أما الحفاظ على أرواحنا وسط هذا الاستمرار.. فذلك هو الامتحان الحقيقي.
وسؤالي الأخير لك، أيها الغريب الذي يشبهني:
وسط كل هذا الاستمرار، هل ما زال نور روحك حاضرًا؟.














