بقلم : د.ياسمين جمال
(باحثة دكتوراة الاعلام التربوي بجامعة عين شمس)
تمرّ أيام العيد سريعًا، لكنها تترك في نفوسنا أثرًا جميلًا لا يمكن إنكاره، فخلال هذه الأيام، تتغير أنماط حياتنا بشكل ملحوظ؛ نقترب من بعضنا، نُبطئ من إيقاعنا، نمنح أنفسنا وقتًا للراحة، ونمارس عادات قد نغفل عنها طوال العام. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اكتساب هذه العادات، بل في الحفاظ عليها بعد انتهاء العيد، حين تعود الحياة إلى سرعتها وضغوطها المعتادة.
ففي البداية، يجب أن نعترف أن ما يحدث بعد العيد من عودة مفاجئة إلى الروتين قد يجعلنا نشعر وكأن كل ما اكتسبناه قد اختفى. فمن أجواء التجمعات العائلية والهدوء النسبي، ننتقل سريعًا إلى التزامات العمل والدراسة، وهو ما قد يُضعف قدرتنا على الاستمرار في نفس السلوكيات الإيجابية. ومن هنا، لا يكون الحل في محاولة الحفاظ على كل شيء كما كان، بل في إعادة توظيف هذه العادات بشكل يتناسب مع طبيعة أيامنا.
ومن ناحية أخرى، فإن العادات الإيجابية التي تظهر في العيد ليست جديدة في جوهرها، لكنها تجد مساحة أكبر للظهور. مثل التواصل مع العائلة، أو الاهتمام بالجانب الروحي، أو تخصيص وقت للراحة، أو حتى مشاركة اللحظات البسيطة مع الأبناء. ولذلك، فإن الحفاظ عليها لا يحتاج إلى مجهود استثنائي، بل إلى نية واعية في استمرارها ولو بشكل بسيط.
كذلك، يمكن للأسرة أن تلعب دورًا مهمًا في تثبيت هذه العادات. فعلى سبيل المثال، يمكن الحفاظ على عادة التجمع، ولو مرة واحدة في الأسبوع، أو الاستمرار في تخصيص وقت يومي للحديث بين أفراد الأسرة، حتى وإن كان لوقت قصير. فالقيمة ليست في المدة، بل في الاستمرارية، لأن العادات الصغيرة حين تتكرر تصبح جزءًا من نمط الحياة.
ومن جهة أخرى، فإن الأبناء يتأثرون بشكل مباشر بهذه التحولات. فإذا شعروا أن كل ما عاشوه في العيد كان مؤقتًا، فقد يفقدون الحماس لأي سلوك إيجابي. أما إذا وجدوا أن بعض هذه الأجواء مستمرة، ولو بشكل أبسط، فإن ذلك يعزز لديهم الشعور بالاستقرار، ويجعلهم أكثر استعدادًا للالتزام بسلوكيات إيجابية في حياتهم اليومية.
كما أن الحفاظ على التوازن بين العمل والراحة يظل عنصرًا أساسيًا. فالعيد يذكرنا بأهمية التوقف، وأخذ مساحة للتنفس، وهو ما يمكن ترجمته بعد العيد من خلال تنظيم الوقت بشكل يسمح بلحظات راحة حقيقية، بعيدًا عن الاستهلاك المفرط للشاشات أو الانشغال المستمر.
وفي هذا السياق، لا بد من تجنب التفكير المثالي الذي يدفع البعض لمحاولة الحفاظ على كل العادات بنفس الشكل، لأن ذلك قد يؤدي إلى الإحباط. فالتغيير الحقيقي لا يقوم على الكمال، بل على الاستمرارية الواقعية.
ومن هنا، يصبح الحفاظ على عادة واحدة أو اثنتين أكثر قيمة من محاولة الحفاظ على كل شيء دفعة واحدة.
لذا، فإن العيد ليس مجرد أيام عابرة، بل فرصة لإعادة ترتيب أولوياتنا واكتشاف ما نفتقده في حياتنا اليومية. وحين ننجح في نقل جزء من هذه الروح إلى ما بعد العيد، نكون قد حوّلنا لحظات مؤقتة إلى أسلوب حياة مستمر. فالعادات الإيجابية لا تحتاج إلى مناسبات لتبدأ، لكنها تحتاج إلى وعي حتى تستمر، وإلى رغبة حقيقية في أن نعيش بشكل أكثر توازنًا وهدوءًا.














