بقلم : د.دينا زايد عبد الصادق
(مدرس بكلية الألسن جامعة قناة السويس ـ دكتوراة في الأدب الألماني المقارن)
تُجسّد المقولة: “كل ما أحببته أصبح له قيمه وأصبح لامعا مضيئا، وكل ما كرهته انطفأ، أنا الذي يمنح الأشياء قيمة” .
رؤية فلسفية عميقة تُعيد مركز الثقل والقيمة إلى الذات الإنسانية، حيث تصبح القيمة انعكاسًا لإدراك الإنسان ومشاعره تجاهها. إن هذه الفكرة تُحيلنا إلى نقاشات طويلة في الفلسفة حول طبيعة الجمال والقيمة، وهل هما موضوعيان قائمَان بذاتهما، أم ذاتيان يتشكلان داخل الوعي الإنساني.؟
عند فلاسفة مثل الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل، لا يمكن فهم العالم إلا من خلال التجربة الواعية. فالأشياء لا تُعطى لنا في ذاتها، بل كما تظهر في وعينا. ومن هنا، يصبح “اللمعان” الذي تتحدث عنه المقولة تجربة شعورية. إن الحب يُضفي على الأشياء بُعدًا إضافيًا، يجعلها أكثر إشراقًا، وأكثر حضورًا في الوعي، بينما الكراهية تُفرغها من معناها وتدفعها نحو العدم الرمزي.
وعلى المستوى النفسي فالشيء الذي نحبه لا يتغير في ذاته، بل تتغير علاقتنا به، فنراه أجمل وأكثر قيمة. وهذا يتوافق مع نظريات علم النفس المعرفي التي تؤكد أن الإدراك ليس عملية حيادية، بل مشحون بالانفعالات والتجارب السابقة.
غير أن هذه الرؤية، رغم عمقها، قد تُثير تساؤلات نقدية. فإذا كانت القيمة ذاتية بالكامل، فكيف نفسر الاتفاقات الجماعية حول الجمال أو الأخلاق؟ وهل يمكن أن يؤدي هذا المنظور إلى نوع من النسبية المطلقة التي تُفرغ العالم من أي معايير مشتركة؟ هنا يمكن القول إن الذات، رغم كونها مصدرًا للمعنى، لا تعمل في فراغ، بل ضمن سياقات ثقافية واجتماعية تُسهم في تشكيل إدراكها.
وفي النهاية قد تكون هذه المقولة دعوة للتأمل في علاقتنا …
هل نرى الأشياء كما هي، أم كما نحب أو نكره؟ ربما يكمن الجواب في التوازن بين إدراكنا الذاتي وواقع الأشياء، حيث لا نُنكر دورنا في إضفاء المعنى، ولا نتجاهل في الوقت ذاته وجود عالم مستقل نسبياً عن وعينا. ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأهم: أن في داخل كل إنسان قدرة خفية على إضاءة العالم أو إطفائه، بحسب ما يحمله في قلبه.














