بقلم: شحاته زكريا
(باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية)
في لحظات الاضطراب الكبرى لا تكون الدول أمام خيار الهدوء أو العاصفة بل أمام اختبار القدرة على التماسك داخل العاصفة نفسها. ومصر في هذا التوقيت تحديدا لا تتحرك في فراغ بل داخل بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد وتتقاطع المصالح مع التوترات وتُعاد صياغة موازين القوى بوتيرة متسارعة ..
ما يحدث في المنطقة اليوم من تصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران وما يصاحبه من تهديدات للممرات البحرية وارتفاع في أسعار الطاقة لا يمكن التعامل معه باعتباره حدثا عابرا.
نحن أمام حالة ممتدة من عدم اليقين تتجاوز حدود الجغرافيا لتصل إلى قلب الاقتصاد العالمي. وفي مثل هذه اللحظات تصبح قدرة الدول على قراءة المشهد بدقة والتعامل معه بمرونة هي الفارق الحقيقي بين من يتأثر فقط… ومن يستطيع أن يستفيد.. مصر تدرك هذه المعادلة جيدا. فهي من جهة تتأثر مباشرة بما يجري حولها بحكم موقعها الجغرافي وارتباطها بأسواق الطاقة والتجارة العالمية.
ومن جهة أخرى تمتلك من الأدوات ما يمكنها من التحرك بقدر من الاستقلالية يسمح لها بإدارة الضغوط بدلا من الانصياع لها. الضغوط موجودة ولا يمكن إنكارها .. ارتفاع أسعار النفط ينعكس على تكلفة الاستيراد وعلى فاتورة الدعم وعلى حركة الأسواق. التوتر في البحر الأحمر ومحيط الممرات الحيوية يفرض تحديات على حركة التجارة ويؤثر على إيرادات قناة السويس التي تظل أحد أهم شرايين الاقتصاد المصري. إلى جانب ذلك فإن حالة القلق العالمية تجعل الاستثمارات أكثر حذرا ورؤوس الأموال أكثر انتقائية.لكن في المقابل لا تخلو الصورة من فرص.. الأزمات بطبيعتها تعيد ترتيب الأولويات. والدول التي تمتلك بنية تحتية قوية وموقعا استراتيجيا وقدرة على التحرك السريع تكون أكثر قدرة على جذب الاهتمام في لحظات التحول. مصر خلال السنوات الماضية عملت على بناء هذه العناصر سواء في تطوير الموانئ أو تحديث شبكة الطرق أو التوسع في مشروعات الطاقة.في قطاع الطاقة تحديدا تبدو الصورة أكثر وضوحا.. العالم يبحث عن بدائل آمنة ومستقرة في ظل التوترات التي تهدد الإمدادات التقليدية.
وهنا يمكن لمصر أن تلعب دورا محوريا ليس فقط كمستهلك بل كمركز إقليمي لتداول الطاقة. الاكتشافات في شرق المتوسط إلى جانب البنية التحتية المتاحة تمنحها مساحة للتحرك في هذا الاتجاه .. أما قناة السويس ورغم ما تواجهه من تحديات بسبب اضطراب بعض المسارات تظل ورقة استراتيجية لا يمكن تجاوزها. فحتى في أصعب الظروف تبقى أحد أقصر وأهم طرق التجارة العالمية. والتحدي هنا ليس فقط في الحفاظ على الإيرادات بل في تطوير الخدمات المرتبطة بها وتحويلها إلى محور لوجستي متكامل قادر على استيعاب التحولات في حركة التجارة.
لكن المعادلة لا تُحسم فقط بالأدوات الاقتصادية.هناك بعد آخر لا يقل أهمية وهو البعد السياسي. مصر تتحرك في إطار دبلوماسي يسعى إلى التهدئة واحتواء التصعيد والحفاظ على توازن العلاقات. هذا الدور وإن بدا أقل صخبا إلا أنه يمنحها مساحة للحفاظ على استقرارها الداخلي ويجنبها الانخراط في صراعات مباشرة قد تكون كلفتها مرتفعة.
في الداخل تبقى التحديات حاضرة .. المواطن هو أول من يشعر بتأثير أي تغير اقتصادي سواء في الأسعار أو في مستوى الخدمات.
وهنا تصبح إدارة المرحلة مسؤولية مزدوجة: الحفاظ على الاستقرار المالي من جهة وتخفيف الأعباء قدر الإمكان من جهة أخرى. القرارات التي تُتخذ قد تكون صعبة لكنها في كثير من الأحيان ضرورية للحفاظ على التوازن العام .. ما يميز اللحظة الحالية هو أنها لا تمنح رفاهية التأجيل العالم يتحرك بسرعة والفرص لا تنتظر طويلا. والدول التي تتأخر في اتخاذ القرار تجد نفسها لاحقا في موقع رد الفعل لا الفعل. ومصر في هذا السياق تحاول أن تتحرك في الوقت المناسب مستفيدة من خبراتها السابقة ومن قدرتها على التكيف مع الأزمات .. الرهان الحقيقي إذن ليس فقط على تجاوز الضغوط بل على تحويلها إلى نقطة انطلاق .. أن تتحول الأزمة إلى فرصة ليس شعارا بل عملية معقدة تتطلب رؤية وإدارة وقدرة على التنفيذ. وهذا ما تسعى إليه الدولة في ظل معادلة دقيقة لا تحتمل الخطأ بسهولة .. في النهاية، لا يمكن قراءة المشهد بمنطق الأبيض والأسود.. مصر ليست بمعزل عن التأثيرات لكنها ليست أيضا بلا أدوات .. هي في منطقة بين الضغوط والفرص بين التحدي والإمكان .. والفارق بين أن تكون متأثرا فقط أو فاعلا في المشهدهو القدرة على كتابة معادلتك الخاصة.
ومصر في هذه اللحظة لا تبحث عن دور يمنح لها…
بل تكتبه بنفسها.














