حين تتحول “اللقمة” إلى مصدر شكوى، يصبح الخطر أكبر من مجرد مخالفة تموينية إذ يمس ذلك حقا أصيلا من حقوق المواطنين. في قرية بني أحمد الغربية بمركز المنيا، لم يخرج الأهالي مطالبين برفاهية، بل طالبوا برغيف خبز يليق بالاستهلاك الآدمي، بعد أن كشفوا عن تدني جودة الخبز ونقص وزنه بشكل لافت.
زيارة مفاجئة قادها اللواء عماد كدواني، محافظ المنيا، فجرت الأزمة على أرض الواقع، وأزاحت الستار عن تجاوزات صادمة داخل بعض المخابز المدعمة، لتتحول الجولة إلى لحظة فاصلة بين جهود الدولة لحماية المواطنين، ومخالفات عبثت بـ“قوت الغلابة” دون رقيب.
ولم تكن الزيارة بروتوكولية عابرة، بل جاءت استجابة مباشرة لشكاوى الأهالي، حيث عرض الحاج علي رغيف خبز أمام المحافظ قائلا وزنه خفيف ومش آدمي في إشارة إلى رداءة الجودة وعدم جوزة الخبز بالشكل المطلوب.
المشهد كان صادما، إذ حرص المحافظ على الاستماع إلى المواطنين ميدانيا، تنفيذا لتوجيهات القيادة السياسية بضرورة التواجد بين المواطنين، وفتح قنوات تواصل حقيقية لرصد المشكلات والعمل على حلها بشكل فوري.وخلال اللقاء، لم يتردد المحافظ في اتخاذ قرار حاسم، حيث قاد حملة ميدانية بنفسه لضبط المخابز المخالفة، وأمر بتشكيل لجنة رقابية عاجلة للمرور على جميع المخابز داخل القرية ومتابعتها بشكل مستمر.
كما شدد على اتخاذ إجراءات قانونية صارمة ضد المخالفين، مؤكدا أنه “لا تهاون مع من يتلاعب بقوت الشعب”، وأن المحاسبة ستطال كل من يثبت تقصيره، سواء من أصحاب المخابز أو المفتشين المسؤولين عن أعمال الرقابة
وشدد محافظ المنيا على أن منظومة الخبز المدعم تمثل خطا أحمر، وأن أي عبث بها يعد اعتداء مباشرا على حقوق المواطنين، مشيرا إلى أن الدولة تتحمل أعباء كبيرة لضمان وصول الدعم لمستحقيه، وهو ما يستوجب التزاما كاملا من جميع الأطراف.
وبالتوازي مع توجيهات المحافظ، تحركت الأجهزة التنفيذية بسرعة، حيث قاد المهندس حلمي الزهري، وكيل وزارة التموين والتجارة الداخلية، حملات رقابية مكثفة بالتنسيق مع هيئة الرقابة الإدارية، استهدفت المخابز والأسواق لضبط أي مخالفات أو ممارسات غير قانونية.
وأسفرت الحملة، التي نفذتها مديرية التموين بقيادة مصطفى عبد الحكيم فؤاد مدير عام الرقابة التموينية، وبمشاركة فريق من المفتشين، عن المرور على 18 مخبزا بلديا بقرية بني أحمد الغربية، لتكشف النتائج حجم المخالفات التي تؤكد صحة شكاوى المواطنين.
حيث تم تحرير 17 مخالفة متنوعة، شملت محضرين لإنتاج خبز ناقص الوزن، و6 محاضر لعدم مطابقة المواصفات، ومحضرين لعدم الإعلان عن لوحة التعليمات، إلى جانب 3 محاضر لعدم نظافة أدوات العجين، و4 محاضر لعدم إعطاء بون صرف للمواطنين.
هذه الأرقام لم تكن مجرد مخالفات عابرة، بل مؤشر واضح على وجود خلل في منظومة الرقابة والمتابعة، وهو ما دفع المحافظ للتأكيد على إحالة المقصرين للتحقيق، لضمان عدم تكرار تلك التجاوزات.
وأكد الزهري وكيل وزارة التموين استمرار الحملات الرقابية بشكل يومي، لضبط الأسواق والمخابز، والتصدي لكافة أشكال الغش التجاري والتلاعب، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه بجودة مناسبة تحفظ كرامة المواطن.
ما كشفته زيارة محافظ المنيا في بني أحمد الغربية لم يكن مجرد أزمة رغيف خبز، بل جرس إنذار حقيقي يعكس ضرورة إعادة الانضباط لمنظومة تمس حياة ملايين المواطنين يوميا. وبين شكاوى الأهالي وتحركات الأجهزة التنفيذية، يبقى الرهان الحقيقي على استمرار الرقابة وعدم التهاون، حتى لا يتحول “قوت الشعب” مرة أخرى إلى سلعة يتلاعب بها في الخفاء، على حساب البسطاء.
















