ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة وضيفنا في هذه السطور الأديب الناقد طارق حنفي ،والذي أهدي بوابة “الجمهورية والمساء أون لاين “، أحدث إبداعاته في ثياب القصة القصيرة،ننشرها عبر هذه السطور..
🍂
مرآة الظل
الضوء ينكسر.. ينزلق بين النوافذ العالية كأحلامٍ معلّقة، كأسرارٍ لم يُفصَح عنها بعد.
طاولةٌ صامتة.. تمتد أمامهما كنموذجٍ لأرض معركةٍ بلا جند، مليئة بالمخططات والأوراق، خرائط لخيالات، وقراراتٍ لم تُتَّخذ بعد، ممراتٍ للقوة والخوف، للحرية والسيطرة.
خالد يجلس.. عيناه تجوبان المخططات، كل خطٍّ يحمل وعدًا، كل ورقة ٍاحتمالٌ مكتمل في مكانٍ ما.
ابتسامته قصيرة، ودّية، وحركته مدفوعة برغبةٍ خفية في التحرر، في لمس الحقيقة خلف القيود، في عبور الظل إلى الضوء.
نبيل يضع جهازه اللوحي على الطاولة.. يضغط، يراقب.
ابتسامته عريضة، تختفي وتظهر عند الحاجة، يضع أصابعه على الزجاج البارد، يحاول أن يمسك بالضوء، بالظل، بالروح نفسها.
يعيد ترتيب خطوطٍ لم يخلقها، مرةً بعد مرة، كأنها مصائر غير مرئية، يريد فرض السيطرة على تدفّق الحرية، تحويل الحركة إلى شكل، والحرية إلى نظام، والرغبة إلى خضوع.
خالد يبتسم.. خطوطه حرّة، تتسلل بين القيود، تتحدّى السيطرة، تنساب كما يشاء الضوء، تتحرّك كما يشاء الهواء، لا يقيّدها شيء.
الضوء يخفّ، الظلال تمتد، تتلوّى بين الأصابع، على الأوراق، على الأرضية، كأنها أرواحٌ مولودة تبحث عن منفذ، تبحث عن بصمة، تبحث عن معنى.
نبيل يتحرّك ذهابًا وإيابًا.. ضحكته تصطدم بالصمت.
يحاول فرض إيقاعه على المكان، على الضوء، على كل شيءٍ حوله، لكنه يدرك أن كل محاولةٍ تصطدم بالحرية، وأن كل ضحكةٍ لا تسقط إلا في الفراغ.
خالد يضيف اللمسة الأخيرة على المخططات.. ابتسامة رقيقة، هدوء كامل.
زاوية الطاولة تتوهّج.. المخططات تتلألأ.
الضوء يتبع أصابع خالد.. كل حركةٍ منه تُنير الطريق، كل خطوة تحمل معنى، كل لمسة تكشف حقيقة.
هناك قوة خفية تقوده، لا يراها نبيل، ولا يمكنه الإمساك بها.
نبيل يضغط على الطاولة.. يراقب، ابتسامته القصيرة تتلاشى في الهواء.
يحاول فرض النظام، لكن الضوء لا يطيع، الظلال لا تخضع، الأصابع تتحرّك كأنها تفكّر وتختار ما تريد.
ساعةٌ متأخرة.. الملفات مكتملة، الأوراق مرتّبة، كل شيءٍ هادئ، متوازن.
خالد يضع الورقة الأخيرة في الحقيبة.. يبتسم برقة، يضع الحقيبة جانبًا، لا يلتفت إلى ضغط نبيل أو حركته المتكرّرة، كل شيءٍ كان مرئيًا أمامه منذ البداية.
الرحيل يحمل معنى.. القلم ينقر، الأوراق تتحرّك، الضوء ينعكس، الأصابع تلمس الطاولة للمرة الأخيرة، كما لو كانت تترك أثرها في المكان.
الباب يُفتح.. ضوءٌ باهت يلقي ظلًا طويلًا على الأرضية، المخططات، اليدين.
نبيل يبقى.. يراقب، ابتسامته تذوب في الهواء.
الظل يتحرّك على الطاولة.. الأصابع تتلوّى على الورق، الضوء ينساب بين المخططات، المكان نفسه يتنفس بصمت، كأنه يتأمّل ما بقي من القوة والحرية، من الرحيل والسكينة.
خالد يتوقف عند العتبة.. يلتفت للحظة، ابتسامة ودّية هادئة، ثم يغادر.
خطواته ثابتة، مستقلة، الضوء يسير خلفه، الظلال تطول، تتشابك مع الأوراق والقلم.
كل شيء يتحرّك برفق.. كأن الرحيل نفسه ترك أثرًا خفيًا على المكان، على الأفكار، والصمت.
المخططات تبقى مضاءة بضوءٍ خافت.. الأوراق تتوقّف عن الحركة، أصابع نبيل تتوقّف فجأة، كل شيء ساكن، صامت.
الهواء يتحرّك ببطء، كأنه يتنفس مع الفراغ الذي تركه خالد.
نبيل يقف مكانه.. ينظر، يحاول أن يتحرّك، يرفع يده قليلًا، ثم تتوقّف، كأن شيئًا ما كان يتحرّك من خلاله، ثم توقّف.
الضوء ما زال موجودًا، الظلال أيضًا، لكن لا شيء جديد يحدث.
الغرفة تتنفس ببطء.. أبطأ من قبل، كأنها فقدت إيقاعًا ولم تستعده.
ينظر إلى الطاولة مرةً أخرى، كل شيء واضح، بشكلٍ مؤلم.
يمدّ يده نحو القلم، يتوقّف قبل أن يلمسه، يسحب يده، ينظر إلى أصابعه، كأنها لم تعد له تمامًا.
الضوء ينساب على الطاولة أمامه.. كما كان في البداية، لكن فجأة، لم يعد يستطيع أن يحرّك شيئًا جديدًا، ولا حتى أصابعه.
🍂














