أكد المستشار محمد الجوهري، مساعد الأمين العام لحزب مصر 2000، أن ملف تشكيل المجالس المحلية لم يعد يحتمل التأجيل، مشددًا على أنه يمثل أحد أبرز الاستحقاقات الدستورية التي يتعين إنجازها لاستكمال بنية الدولة الحديثة، وتعزيز كفاءة الإدارة العامة، وترسيخ دعائم المشاركة الشعبية والرقابة المؤسسية.
وأوضح محمد الجوهري في تصريح لبوابة “الجمهورية والمساء أون لاين” أن الإدارة المحلية، وفقًا لدستور 2014، ليست مجرد مستوى إداري تابع، بل شريك أصيل في السلطة التنفيذية، إلى جانب رئاسة الجمهورية والحكومة، مشيرًا إلى أن استمرار غياب المجالس المحلية المنتخبة خلال السنوات الماضية أدى إلى وجود فراغ رقابي واضح على المستوى القاعدي، انعكس على طبيعة التعامل مع العديد من الملفات الخدمية والتنموية.
وأضاف “الجوهري” أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة النظر في آليات إدارة الشأن المحلي، من خلال الانتقال من نمط المركزية التقليدية إلى نموذج أكثر مرونة يعتمد على اللامركزية الرشيدة، بما يسمح باتخاذ القرار في نطاقه الجغرافي الطبيعي، ويعزز سرعة الاستجابة لمطالب المواطنين، ويحد من تضخم المشكلات اليومية.
وأشار إلى أن المجالس المحلية تمثل أحد أهم أدوات ضبط الأداء التنفيذي على المستوى المحلي، حيث تتيح آليات واضحة للمساءلة، مثل طلبات الإحاطة والاستجوابات، فضلًا عن دورها في متابعة تنفيذ المشروعات والخطط التنموية، وهو ما يسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد.
وأكد علي أن أهمية المجالس المحلية لا تتوقف عند حدود الدور الرقابي والخدمي، بل تمتد إلى أبعاد استراتيجية تتعلق بتعزيز الاستقرار المجتمعي، موضحًا أن وجود كيانات منتخبة قريبة من المواطن يسهم في تقليل الفجوة بينه وبين مؤسسات الدولة، ويحد من انتشار الشائعات من خلال توفير قنوات رسمية لنقل المعلومات الدقيقة في توقيت مناسب.
ولفت إلى أن العديد من الأزمات التي تتصاعد في بعض الأحيان يكون منشؤها مشكلات خدمية محدودة، لكنها تتفاقم بسبب غياب قنوات تواصل فعالة، مؤكدًا أن المجالس المحلية قادرة على التدخل المبكر واحتواء مثل هذه الأزمات عبر مناقشة المسؤولين التنفيذيين بشكل علني وشفاف.
وفي سياق متصل، شدد على أن الإدارة المحلية تمثل ركيزة أساسية في دعم الأمن القومي، خاصة في المحافظات الحدودية، حيث تسهم في تعزيز الانتماء الوطني، وتحقيق الاستقرار السكاني، ودعم جهود الدولة في التنمية المتوازنة، وهو ما يقلل من فرص التوترات أو الاختراقات غير التقليدية.
كما أشار إلى أن المجالس المحلية تضطلع بدور مهم في إدارة الموارد المحلية، من خلال الإشراف على استخدام الأراضي، ومتابعة التراخيص، والمساهمة في رسم أولويات الإنفاق، مؤكدًا أن وجود رقابة شعبية منظمة في هذه الملفات يعزز الشفافية ويحد من أي ممارسات غير رشيدة.
وأكد علي أن نجاح تجربة المجالس المحلية مرهون بوجود إطار تشريعي متكامل يمنحها الصلاحيات اللازمة لأداء دورها، مشددًا على أهمية إقرار قانون الإدارة المحلية بما يتضمنه من نصوص واضحة تحدد الاختصاصات، وتضمن وجود أدوات رقابية فعالة، وتحقق قدرًا من الاستقلال المالي والإداري.
وأضاف أن تأهيل الكوادر المحلية يمثل عنصرًا حاسمًا في نجاح التجربة، موضحًا أن بناء قدرات الأعضاء المنتخبين في مجالات التخطيط والإدارة والرقابة يسهم في تحقيق أقصى استفادة من تطبيق اللامركزية، ويحولها إلى قوة دفع حقيقية للتنمية.
وأوضح أن المجالس المحلية تمثل أيضًا مدرسة لإعداد القيادات السياسية والإدارية من القاعدة، وأن غيابها خلال الفترة الماضية أدى إلى تراجع هذا الدور، ما يستدعي الإسراع في إعادتها لتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وخلق كوادر جديدة قادرة على تحمل المسؤولية.
وفيما يتعلق بالتنمية، أكد علي أن تحقيق مستهدفات رؤية مصر 2030 يتطلب وجود إدارة محلية قوية قادرة على متابعة تنفيذ المبادرات القومية على الأرض، والتفاعل مع احتياجات المواطنين بشكل مباشر، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون وجود مجالس محلية منتخبة تمتلك المعرفة الدقيقة بخصوصية كل محافظة.
وأختتم تصريحه بالتأكيد على أن تشكيل المجالس المحلية لم يعد خيارًا سياسيًا مؤجلًا، بل ضرورة تفرضها اعتبارات الدستور ومتطلبات الواقع، مشيرًا إلى أن تفعيل هذا الملف من شأنه أن يسهم في تعزيز كفاءة الدولة، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وبناء علاقة أكثر توازنًا وثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، بما يدعم استقرار الدولة ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات.














