لم تكن تبكي لأنها افتقرت، ولا لأنها ضعفت، بل لأنها في لحظةٍ واحدةٍ رأت الوجوه التي كانت تسندها تتوارى خلف ستارٍ كثيفٍ من الطمع، كأن القلوب التي عاشت بها سنين قد استُبدلت بحجارةٍ صمّاء، لا تسمع أنينًا ولا ترقّ لدمعة. جلست في ركن البيت الذي حفظ ضحكاتها وهمساتها، كأن الجدران تعرفها أكثر مما يعرفها أهلها، ثم سمعت الكلمة تسقط عليها سقوط السكين البارد: هذا البيت ليس لكِ، هو للولد، كأنها لم تكن يومًا روحًا سكنت المكان، بل عابر سبيلٍ مرّ ولم يترك أثرًا.
فسكتت، لا عن رضا، ولكن عن انكسارٍ يشبه انطفاء السراج في مهبّ الريح، ذاك الانطفاء الذي لا يُسمع له صوت، لكنه يترك العتمة خلفه كثيفةً خانقة. شعرت أن يدًا خفيةً تنتزع حقها من صدرها انتزاعًا، كما تُنتزع الروح من جسدٍ أُنهكه الألم، فلا صراخ يُجدي، ولا دموع تُعيد ما سُلب. يا الله، كيف يضيق صدر الأخ بأخته إذا اتسعت يده للمال؟ وكيف تتحول الرحم التي كانت دفئًا إلى ساحة قسمةٍ باردةٍ كقبور الشتاء؟
لم تطلب إلا ما كُتب لها، ولم تُخاصم حكمًا، ولم تُنازع قسمة، كانت كغصنٍ رقيقٍ يطلب نصيبه من الضوء، فإذا بالأيدي تُبعده عن الشمس وتتركه يذبل في الظل، ثم تعاتبه إن اصفرّ. قالوا لها إن التنازل كرم، وإن الصمت حكمة، وإن الرجل أولى، كأن العدل ثوبٌ يُفصَّل على مقاسهم، إن ضاق بهم وسّعوه، وإن ضاق بغيرهم مزّقوه. فابتسمت تلك الابتسامة التي تُشبه شقًّا في قلبٍ حيّ، ووقّعت، لا على ورقٍ فحسب، بل على صفحةٍ من عمرها أُغلقت إلى الأبد، كأنها تدفن حقها بيديها وتواريه تحت تراب الصمت.
إنها لا تُحرم من مالٍ فحسب، بل تُحرم من سندٍ، من شعورٍ خفيٍّ بالأمان، من يقينٍ بأن لها مكانًا لا يُنازعها فيه أحد، فإذا بهذا المكان يتلاشى كما يتلاشى السراب في عين الظمآن، يركض إليه قلبها فلا يجد إلا الخيبة. أيُّ قسوةٍ تلك التي تجعل الأخت تقف على باب إخوتها تستأذن في حقها؟ وأيُّ قلبٍ هذا الذي يرضى أن يثقل بمالٍ ممزوجٍ بدمعة قريبةٍ له؟
إن الذي قسّم الحقوق لم ينسَ أحدًا، ولكن القلوب إذا عميت لم تُبصر عدلًا، وإذا قست لم تخشَ حسابًا، فيمضي الظلم في طرق البيوت كما تمضي الرطوبة في الجدران، خفيةً أول الأمر، ثم لا تلبث أن تُفسد كل شيء. فويلٌ لبيتٍ أُكل فيه حق ضعيف، وويلٌ لقلبٍ ظنّ أن الصمت يُسقط الدين، وأن الأيام تُنسي ما كُتب بالوجع في دفاتر الأرواح.
ويا كل بنتٍ سُلب حقها، لا تظني أن ما ضاع قد فُقد، فهناك عدلٌ لا ينام، وميزانٌ لا يختل، وربٌّ يرى ما خفي وما أُعلن، فإن ضاق بكِ الأرض يومًا، فثقي أن السماء أوسع، وإن بكى قلبكِ سرًّا، فهناك من يسمع البكاء قبل أن يصير دموعًا، ويجبر الخاطر جبرًا لا يُشبهه جبر.














