ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة .. وضيفنا في هذه السطور الأديب القاص مدحت الخطيب “المحامي”،والذي أهدي بوابة “الجمهورية والمساء أون لاين” أحدث إبداعاته في ثياب القصة القصيرة تحت عنوان “مرآة جدي”، ننشرها عبر هذه السطور..
🍂
“مرآة جدي”
كان من عادة جدي لأمي رحمه الله أن يطلب أحفاده جميعا لقضاء يوم الجمعة عنده في بيته في الريف ، وكنت في ذلك الوقت في السابعة من عمري، فأصحو من تلقاء نفسي قبل شروق الشمس ، وأوقظ شقيقتي، ونبدأ في تجهيز ما سنحمله معنا من دمى ولعب.
وفي العاشرة تماما نكون بصحبة الوالد على رصيف محطة السكة الحديد في انتظار القطار الذي سيتوجه بنا إلى محطة “دقادوس”، وهناك نجد خالي واقفا ينتظرنا، فيتسلمنا من الوالد، ونركب معه دراجته البخارية إلى بيت جدي، بينما ينتظر الوالد قطار العودة.
كان البيت أمام مصرف للري الزراعي، ولا اعرف الميزة التي جعلت جدي يشتري هذا البيت ، فالحشرات بسبب الزراعات والمصرف كانت نشيطة، ويحلو لها امتصاص دمي كلما وجد لذلك سبيلا.
وقد كان جدي كريما مع أحفاده عامة، ومعي خاصة، وكنت أحبه كل الحب، فما من شيء يخطر في بالي إلا وقدمه لي دون أن اطلبه، وكأنه كان يقرأ ما في نفسي، ولكن في ذات الوقت، كانت هناك حجرة مغلقة ليلا ونهارا، وكانت التنبيهات المشددة بعدم فتحها، أو حتى مجرد التفكير في ذلك، فالتزمت التعليمات، فلم أفتحها أبدا، وإن كنت قد فكرت كثيرا في فتحها ومعرفة السر الكامن فيها.
وسألت والدتي ذات مرة فأجابت:
_ هذه الغرفة مغلقة ولم يفتحها احد منذ أن اشترى جدك البيت.
وأخذني الفضول ذات مرة، فانتهزت خروج أبناء خالاتي وأخوالي يرتعون ويلعبون داخل المحيط الأجرد في حقل جدي ، وكذا خروج جدي لصلاة العصر في مسجد القرية، توجهت ناحية الغرفة المغلقة، وكنت حريصا ألا تراني جدتي أو غيرها، وفي ذات الوقت كنت قد أعددت الرد حال اكتشاف أمري وسؤالي عن سبب وجودي عند الغرفة المغلقة.
لم أحاول فتحها، رغم أن ذلك كان ممكنا، فلا قفل على الباب، ولا “ترباس”، ولا شيء سوى ورقة بين قائم الباب وحلقه، ومن ثم كان يكفيني دفع الباب دفعة بسيطة حتى ينفتح فأرى الاسرار المخبوءة خلفه.
ولكني لم افعل، فقد عاهدت جدي، وكنت على العهد.
غير أن الفضول أخذني، فأراني ما لم كنت اره، وأخذ يلقي على سمعي الحجج، فاقتنعت بها، ووضعت عيني على ثقب الباب في محاولة لاستكشاف ما وراء الباب، فالتنبيهات كانت على عدم فتح الباب، وليس على النظر من ثقب الباب، غير أني لم أر غير السواد، ويبدو أن الغرفة لا شرفة فيها أو نافذة أو أي مصدر ضوء، فهي ظلام حالك، كقبر لا تسكنه سوى الأشباح التي يشتد عودها في العتمة الدامية.
وحين أبعدت عيني عن الثقب، ونويت الذهاب الى اللعب مع أترابي في الحقل، سمعت صوتا من داخل الغرفة تبينته جيدا، فتسمرت قدماي في الأرض، ولم أعد قادرا على الابتعاد عن الغرفة، ولا الاقتراب منها، وجال بخاطري وقتها أن الغرفة يسكنها الجن والعفاريت، فقد سمعت بأذني من يقول بهدوء وروية:
_ هاتوا الجثة.
وقد حاولت ثم حاولت، ثم أخيرا تمكنت من الفرار والهروب منهم قبل أن يطولوني فيذبحوني ويقدمون جثتي لكبيرهم.
ومر عام أو بعض عام لم أذهب فيه إلى بيت جدي، فقد ساءت حالتي، وتملكني الرعب، حتى استقر في سويداء قلبي، وأنا غير قادر على البوح بالسر، فظنوا أن الشيطان مسني بنصب وعذاب، فذهبوا بي الى الشيخة رتيبة السودانية، ثم إلى الشيخ جعفر الي بلغت شهرته في التعامل مع الأجساد الملبوسة بالجن والعفاريت ما بلغت، ثم جاءوا بالشيخة “رزان” فصنعت لي حفلة زار، ولكني لم اتأثر بهذه أو بتلك، وظلت الحالة النفسية في انهيار، وتزداد سوءا يوما بعد يوم.
ثم عولجت بمعرفة طبيب متخصص في الأمراض النفسية والعقلية ، وعدت إلى بيت جدي، فلعبت مع أترابي من أبناء وبناء الخالات والأخوال، وعشت اجمل ايام عمري هناك.
وذات يوم، كنت بالقرب من الغرفة المغلقة، وحدث زلزال عنيف ارتجت الأرض من تحتي بسببه رجا، فسمعت صرير باب، فنظرت خلفي، فإذا الباب استجاب للزلزال، فانفتح على مصراعيه، وأخذ يتخبط ذات اليمين وذات الشمال، وكادت المرض النفسية يعاودني، ولكني وجدت نفسي وقد طردت الخوف من قلبي أهرع إلى الغرفة التي ظلت مغلقة عقودا من الزمان، فلم أجد فيها شيئا ، وكانت خالية من الشواغل والأثاث والمتاع والأشخاص ، وليس فيها سوى مرآة متوسطة الحجم معلقة على أحد الجدران، ونافذة مغلقة بدورها, وصمت كصمت القبور يسكنها، وظلام كليل حالك يحيط بها.
أمعنت النظر في المرآة المشروخة، فلم أجد غير وجهي، ثم أعدت النظر، فهالني ما رأيت.
لقد رأيت جدي يقف خلفي، فكدت أقع مغشيا على نفسي، ولكني تداركت الأمر سريعا، فلم يكن خلفي سوى اوهام ولدتها الوساوس.
ثم سمعت ذات الصوت الذي سمعته من قبل، نعم هو هو، إنه صوت من المستحيل نسيانه، ومن المستحيل أن تخطئه أذني، إذ قال ذات ما قال من قبل ذات هدوئه ورويته:
– هاتوا الجثة.
ونظرت حولي فلم أجد من يكلمني.
ثم أعدت النظر مرة بعد مرة.
ثم وصلت إلى مصدر الصوت، فقد كان من خارج النافذة، فهرعت اليها، وعرفت السر المخبوء، فلم يكن سبحان ذاك الذي سمعته، ولا جنيت. هذا الذي تكلم، ولكنه الشيخ مروان التربي، فقد كانت النافذة تطل مباشرة على مقابر القرية ، وكان الشيخ مروان يدفن الأموات.
ورغم ذلك .. ظل سر الغرفة المغلقة مخبوءا، ولم يكشفه أحد حتى موت جدي، ولا أعلم حتى هاتيك اللحظة إن كان رحمه الله حافظ على غلق الغرفة حتى يحبس عفريتا فيها، ام أغلقها حتى لا يدخلها جن المقابر؟.














