بقلم/أحمد محمد علي
في زمن صار فيه الذكاء الاصطناعي ضيفًا دائمًا على موائد الفن والثقافة، لم يعد غريبًا أن نراه حاضرًا في قاعات البحث، ولا مستهجنًا أن يدخل معامل التصميم، ولا معيبًا أن يشارك في صناعة الصورة والكلمة. التقنية في جوهرها أداة، والفن عبر تاريخه الطويل لم يعادِ الأداة يومًا، وإنما روضها وجعلها جزءًا من لغته، من الكاميرا إلى السينما إلى الجرافيك والمؤثرات البصرية. المشكلة لا تبدأ عند استخدام الأداة، وإنما عند غياب من يراقبها. تبدأ حين نُسلمها زمام النص والصورة، ثم ندفع الناتج إلى الضوء دون أن تمر عليه يد تُراجع، أو عين تُحاسب، أو عقل يقول بهدوء هذا لم يكتمل ولا يصلح للنشر بعد.
هكذا بدا مشهد اللغة البصرية في المؤتمر العلمي الدولي التاسع لأكاديمية الفنون – مؤتمر الفنون والتراث الحضاري في عالم متغير. اسم المؤسسة يحمل تاريخًا، والرعاية الرسمية من مجلس الوزراء تمنح العمل ثقلًا معنويًا، والفكرة التي يقترحها المؤتمر تحمل طموحًا معرفيًا يستحق الاحترام. ومع ذلك، جاءت اللغة البصرية – في البوستر الرسمي والنموذج الاسترشادي معًا – أقل اتساقًا من هذا الثقل، وكأن الشكل ظهر قبل أن يتشاور مع المضمون.
البوستر الرسمي.. أمانة في التوثيق وفقر في الرؤي
البوستر الرسمي للمؤتمر وثيقة مؤسسية تؤدي وظيفتها الإعلامية بأمانة لا تُنكر. المعلومات موجودة، المحاور محددة، المواعيد واضحة، وشعارات الجهات المنظمة والراعية في مواضعها الصحيحة. من يبحث عن موعد التقديم أو بريد التواصل سيجد ما يريد دون عناء. لكن البوستر الذي يكتفي بالحد الأدنى، في مؤتمر يتحدث عن مستقبل التراث، يرسل رسالة صامتة لا تقل أثرًا عن الكلمات المكتوبة. التراتبية البصرية تقليدية إلى حد كبير- شعارات في الأعلى، عناوين في المنتصف، تفاصيل في الأسفل. لا لغة بصرية تلفت الانتباه، لا اختيار لوني يحمل دلالة ثقافية واضحة، ولا عناصر تصميم تشير إلى أن هذا المؤتمر يتحدث عن مستقبل يتشكل داخل فضاء رقمي.
“كان من الممكن أن يكون هذا البوستر لمؤتمر آخر، في عقد آخر، دون أن يفقد شيئًا من منطقه”
والأكثر إثارة للتأمل أن المؤتمر يضع في مقدمة محاوره توظيف الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي في خدمة الفنون والتراث، ثم يُقدم نفسه للعالم ببوستر لا يظهر فيه أثر بصري واحد لهذا التوجه. لا استلهام من الزخرفة الإسلامية معاد تقديمها رقميًا، لا توظيف للخط العربي كعنصر بنائي داخل التصميم، لا إشارة بصرية تقول بوضوح: نحن نتحدث عن غد مختلف. اللغة البصرية هي الرسالة الأولى التي تصل إلى العين قبل أن تُقرأ أي كلمة وليست زينة تُضاف بعد اكتمال المحتوى.. وحين تتناقض هذه الرسالة مع مضمون المؤتمر، يصبح السؤال مشروعًا: هل ما يُقال يجد طريقه إلى ما يُعرض؟

النموذج الاسترشادي.. حين تصبح الأداة أكبر من يد من يمسكها
النموذج الاسترشادي الذي طُرح للطلاب يمثل قصة مختلفة، وأكثر دلالة على طبيعة التحدي. صُنع باستخدام أداة ذكاء اصطناعي مجانية، وهو أمر لا يحمل في ذاته أي انتقاص. الأداة المجانية ليست عيبًا، والاحتراف لا يُقاس بثمن البرنامج المستخدم. الاحتراف يُقاس بما يفعله المستخدم بالأداة التي بين يديه. غير أن ما حدث هنا يوحي بأن الأداة تقدمت خطوة إلى الأمام، فيما تراجعت يد المراجعة خطوة إلى الخلف. فعلى صعيد اللغة، يحمل النص بصمات واضحة لنص مُولد آليًا لم تمر عليه مرحلة تحرير كافية. جمل تفقد تماسكها في منتصف الطريق، وعبارات تبدو بعيدة عن المصطلح العلمي المعروف، وكلمات تحتاج إلى إعادة قراءة لفهم المقصود منها. ليست المشكلة في الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لكتابة مسودة أولى، فهذه ممارسة باتت مألوفة في مجالات متعددة. المشكلة تظهر حين تتحول المسودة الأولى إلى نسخة نهائية منشورة دون مراجعة.

“الكاتب الذي يأخذ مُخرج الآلة دون أن يُعيد كتابته بصوته الخاص لم يستخدم أداة، وإنما استسلم لها”
على صعيد التصميم، الملصق مزدحم بعناصر بصرية متعددة – تدرجات لونية، أيقونات متكررة، إطارات متنوعة – تمنح انطباعًا بالحداثة من بعيد، غير أنها عند التأمل لا تخدم فكرة محددة. الزخرفة الرقمية هنا تتحول إلى ضجيج بصري، لا إلى لغة تشرح الفكرة أو تقود العين داخل التصميم.
أما التناقض الأكثر دلالة، فيظهر في اختيار الصور نفسها. عنوان أحد النماذج المنشورة يشير إلى خيال الظل بوصفه تراثًا يستحق الإحياء، بينما الصور المستخدمة تعود إلي (Wayang Kulit) مسرح خيال الظل في جاوا وبالي في إندونيسيا. هذا الاختيار لا يبدو محاولة واعية لإبراز بعد ثقافي مقارن، إذ لا يذكر النص أي إشارة تفسيرية لذلك. ما يظهر هو نتيجة بحث سريع داخل مكتبة صور آلية، قُبلت نتائجه دون مساءلة. فحين تختار الأداة بدلًا منك، تختار بمنطقها هي، لا بهويتك أنت. المفارقة، المؤتمر يدعو إلى توظيف الذكاء الاصطناعي أداةً تُحيي التراث وتضيف إليه. والنموذج الاسترشادي – واجهة هذه الدعوة أمام الطلاب – يقدم مثالًا لا يحقق هذا الهدف بالصورة المرجوة. الرسالة التي قد تصل إلى الطالب المبتدئ، ولو دون قصد، أن الذكاء الاصطناعي وسيلة للإنجاز السريع، لا وسيلة للإضافة الفنية العميقة. وهنا تكمن المفارقة كاملة. استخدام الذكاء الاصطناعي فنيًا لا يعني إنتاج شيء لامع في وقت قصير. يعني توظيفه لفعل ما لا تستطيع اليد وحدها إنجازه بسهولة. توليد أنماط مستلهمة من التراث، إعادة بناء عناصر بصرية تاريخية، أو محاكاة أساليب فنية داخل سياق ثقافي واعٍ. هذا الفارق الدقيق هو ما يميز من يستخدم الأداة عن من تُسيطر عليه الأداة.
الفكرة التي تستحق أكثر مما نالته
قبل إغلاق هذه القراءة، لا بد من الاعتراف بما هو حق.
الناظم العلمي للمؤتمر يحمل جرأة واضحة. الفنون والتراث الحضاري في عالم متغير – رؤية مستقبلية. مسار بحثي واعد، يفتح بابًا واسعًا لإعادة تقديم التراث لأجيال لم تعرفه إلا في حكايات الأجداد وصفحات الكتب. المشكلة إذن لم تكن في الفكرة نفسها.. كانت في طريقة تقديمها. كان يمكن للبوستر الرسمي أن يستلهم عناصره من الموروث البصري العربي – الزخارف الهندسية، نسب الخط العربي، ألوان المخطوطات – ثم يعيد تقديمها بلغة رقمية معاصرة. مثل هذا الاختيار كان سيقدم بيانًا بصريًا عن موضوع المؤتمر قبل قراءة أي سطر من نصه. وكان يمكن للنموذج الاسترشادي أن يوظف الذكاء الاصطناعي في توليد صور مستمدة من تراث خيال الظل العربي تحديدًا، وأن يُظهر للطالب كيف تتحول الأداة إلى وسيلة إحياء، لا مجرد وسيلة إنتاج سريع.
الفرصة قائمة، والموضوع نفسه يدعو إلى هذا الانسجام بين الفكرة وشكل تقديمها. وعندما تضيع هذه الفرصة، لا يخسر التصميم وحده، وإنما يخسر الخطاب البصري جزءًا من تأثيره.
الخلاصة٠٠ أزمة تحرير قبل أي شيء آخر
الذكاء الاصطناعي لا يتحمل المسؤولية وحده. القرار البشري هو الذي يحدد متى يتوقف العمل عند مرحلة المسودة، ومتى ينتقل إلى مرحلة النشر. ما كشفه هذا المشهد بمجمله لا يشير إلى أزمة معرفية، ولا إلى خلل جذري في الفكرة. ما يكشفه في جوهره هو نقص في التحرير، وغياب تلك اللحظة الفارقة التي يقف فيها صاحب العمل أمام ما صنع ويقول: هذا لم يكتمل بعد. أكاديمية الفنون قدمت مبادرة تستحق التقدير – مؤتمر علمي يفتح أبوابه للطلاب بضوابط واضحة وجوائز تحفيزية ومنصة عرض جادة. هذا جهد مؤسسي لا يمكن تجاهله.
المؤسسة التي تفعل ذلك تستحق نموذجًا يليق باسمها. والفكرة المطروحة تستحق عناية أكبر مما نالته.
مراجعة واحدة جادة كانت كفيلة بتغيير القراءة بالكامل.














