بقلم : د.خلود محمود ( مدرس الإعلام الرقمي بمعهد كينج مريوط للدراسات الأدبية)
»» كيف تعيد “السوشيال ميديا” تشكيل وعينا بالأزمات؟
عند منتصف ليل الثامن من أبريل، تصدر هاشتاج(#طهران_تحترق) منصات التواصل في مصر، متزامنًا مع أنباء عن ضربات متبادلة بين إيران وإسرائيل ، عشرات الآلاف من المصريين شاركوا الفيديو ذاته – الذي تبين لاحقًا أنه من ألعاب الفيديو- دون تردد، وعلّقوا بدموع أو غضب، وطالبوا باتخاذ مواقف تجاه ما يحدث في المقابل، لم يقبل سوى 3% منهم بالتحقق من المصدر قبل النشر.
إن هذا المشهد لم يعد استثناءً، بل صار قاعدة في تشكيل الرأي العام المصري إزاء صراعات المنطقة فبينما تبدو الحروب التقليدية محدودة جغرافيًا، تمتد حروب السوشيال ميديا إلى عقول الملايين، حاملةً معها مشاهد معدلة، وروايات منقوصة، و’حقائق’ تصنع في غرف تحرير رقمية مجهولة.
تأتي أهمية هذا المقال من كونه يقرأ اللحظة الراهنة -الحرب المعلنة بين إيران وإسرائيل ليس كصراع عسكري فقط، بل كمعمل حي لتحليل ‘ظاهرة جديدة’ وهي كيف تحول المجتمع المصري، بوعيه الأكاديمي وعاطفته الجياشة، إلى مستقبل سلبي للمعلومات الزائفة، يتعامل مع منشور السوشيال ميديا كما يتعامل مع النص الديني أو القانوني: تسليم وقبول، ثم انفعال وتصرف، ونادرًا ما يدقق أو يبحث عن الحقيقة والمصدر .
فهل أصبحت خوارزميات فيسبوك وتيك توك أكثر تأثيرًا من قنوات الأخبار الرسمية؟ وكيف يستطيع المصري، الذي حصل على جائزته في الذكاء العاطفي والتحليل السياسي، أن يقع في فخ ‘اليقين الوهمي’ الذي تزرعه حسابات لا تعرف هوية مديريها؟ هذا ما نحاول تفكيكه في السطور القادمة.”
ليس سرًا أن المجتمع المصري يحمل في وجدانه طبقتين متلاصقتين: طبقة الانتماء الديني التي تجعله يتألم لأي أذى يلحق بالمسلمين في أي بقعة، وطبقة الانتماء القومي التي تجعله يرى في أمن الخليج وشرق المتوسط امتدادًا لأمنه القومي المباشر، تأتي الحرب بين إيران وإسرائيل لتضرب هاتين الطبقتين معًا، والسوشيال ميديا -بذكائها الخوارزمي- لا تتردد في استثمار هذا التوتر المزدوج.
فبدلًا من تقديم تحليل موضوعي للأسباب والنتائج، نجد المنصات تغرق المستخدم المصري بمشاهد مقتطعة: تارة يبكي طفل شيعي تحت الأنقاض في إصفهان (فيُحرك انتماءه الإنساني والديني)، وتارة يهتف جندي إسرائيلي على حدود سيناء (فيُحرك غريزته القومية والأمنية) والمشكلة أن هذه المشاهد غالبًا ما تكون قديمة أو مفبركة أو من سياق آخر، لكن العين تدمع قبل أن يتحقق العقل.
النتيجة واضحة أمامنا كل يوم: تحول المشاهد المصري إلى “متفاعل فوري” وليس “محللًا ناقدًا” تجده يعيد نشر منشور دون التحقق من مصدره لمجرد أن كاتبه استهل حديثه بـ”والله العظيم” وتجده يقرر فجأة مقاطعة منتجات كان يستهلكها أمس بحماس، فقط لأن ترند عابر قال إنها “تدعم العدو” وتجده في ذروة الأمر، قد يغير رأيه السياسي في قضايا كبرى بناءً على فيديو لا يتجاوز ١٥ ثانية ، فهو لم يعد يتخذ قراراته، بل “تتخذ” قراراته من أجله خوارزميات لا تعرف اسمه، لكنها تعرف نقاط ضعفه بدقة متناهية.
تلك من المفارقات المؤلمة في زمننا هذا أن الثقة في المجهول أصبحت أعمق من الثقة في المعلوم فوسائل الإعلام التقليدية المصرية -مع ما فيها من قصور أو محاذير رسمية- تلتزم بسقف وخطاب محكومين بالمعلومة الموثقة والمصدر المسؤول ، لكن المجتمع المصري خاصة والعربي عامة يعاني من فجوة ثقة مع المؤسسات، فيجد في حسابات السوشيال ميديا المجهولة متنفسًا مغريًا.
هذه الحسابات التي قد يديرها شخص في غرفة مظلمة، أو روبوت آلي، أو مركز عمليات تابع لدولة أخرى- تقدم “حقائق بديلة” تبدو أكثر صدقًا لمجرد أنها تخالف الرواية الرسمية ، خاصة وإنها تستخدم لغة “الفضيحة” و”الكشف” و”الخبر الحصري” فيقع القارئ في فخ أن “الغائب هو الحقيقة المطلقة”، وأن ما تخفيه الحكومة لا يمكن أن يعرفه إلا هذا الحساب المجهول ذو الصورة الرمزية الغامضة.
والأدهى أن المجتمع بات يستقبل خبر استهداف سفينة في البحر الأحمر، أو تفجير قاعدة عسكرية، أو اغتيال قيادي بارز، عبر منشور لشخص وهمي، بصورة كرتونية، لكنه يصدقه ويتفاعل معه ويبني عليه قراراته لماذا؟ لأن أسلوب هذا الحساب “سام ” وجريء، ولأنه يخاطبه بلغة الشارع وليس بلغة النشرة الرسمية أن المجتمع المصري لم يعد يبحث عن “الصحيح”، بل عن “المُشبع عاطفيًا” وهذا هو الخطر بعينه.
هنا يحين دور الأكاديميون في تفسير ما يحدث فنظريات الإعلام ليست حبيسة الكتب، بل تفسر واقعنا اليوم فنظرية “ترتيب الأولويات” (Agenda Setting) تخبرنا أن السوشيال ميديا لا تخبر المجتمع ب ماذا يفكر، لكنها بتركيزها المستمر على صور معينة وأحداث بعينها تخبره “بما يفكر فيه” وعندما تكون كل خلاصتك مشاهد حرب ودمار، فإن عقلك سيعيد ترتيب أولوياته تلقائيًا ليصبح “الخطر” هو الموضوع الأول، و”الحرب” هي الهاجس الدائم.
أما نظرية “الغرس الثقافي” (Cultivation Theory) فتقول إن التعرض المستمر لمحتوى عنيف ومقلق يجعل الإنسان يعتقد أن العالم أكثر فوضى وخطورة مما هو عليه بالفعل ، والمجتمع المصري الذي يشاهد يوميًا، عبر هاتفه، مشاهد تفجير وقتل وحصار، سيقتنع بالتدريج أن الحرب على عتبة بيته، وأن الخطر قادم لا محالة وهنا تحدث الكارثة: يبدأ في اتخاذ قرارات مصيرية مبنية على واقع افتراضي صنعته الخوارزميات، لا على حقائق ميدانية فيسحب مدخراته من البنك “خوفًا من انهيار”، يخزن سلعًا تكفيه لشهور “استعدادًا للأسوأ”، يضغط على الحكومة لموقف معين قد يكون ضد مصلحة بلاده، بل قد يصل به الأمر إلى الهجرة أو تغيير خطط حياته كلها كل هذا، بينما الحرب الحقيقية -إن وُجدت- لا تزال بعيدة عنه بمئات الكيلومترات ، أن “تأثير الفراشة المعلوماتي” ليس مجرد استعارة أدبية، بل هو وصف دقيق لعلاقة السببية بين فيديو مزيف وقرار مصيري في حياة إنسان.
هذا المقال لم يكتب ليقول “من على حق”، لأن الحروب لا تعرف حقًا مطلقًا ولم يكتب ليقول “السوشيال ميديا سيئة”، فهي أدوات مثل السكين تصنع الخبز وتقتل البشر لكنه كتب ليصرخ في وجه كل شخص بالمجتمع يمسك هاتفه الآن: توقف قبل أن تشارك، قبل أن تبكي، قبل أن تغضب، قبل أن تقاطع، قبل أن تكتب كلمة تندم عليها ، قبل أن تتخذ قرار بناء علي منشور أو خبر علي منصات التواصل الاجتماعي اسأل: من وراء هذا الخبر؟ متى صُوِّر؟ لماذا يُعرض عليَّ الآن؟ وكيف لي أن أتأكد؟.














