أكد الدكتور تامر منصور أستاذ الإرشاد الزراعى بالمركز القومي للبحوث أهمية ترشيد استهلاك الأسمدة مشيرا إلى أنها ضرورة لتعزيز جودة المحاصيل وتقليل التكاليف وقال فى ظل الارتفاع المستمر لأسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي، أصبح التعامل مع الأسمدة يحتاج إلى قدر أكبر من الوعي والدقة. فالفكرة الشائعة التي تربط بين زيادة كميات السماد وزيادة الإنتاج ليست دقيقة، بل قد تؤدي في كثير من الأحيان إلى نتائج عكسية، سواء من حيث ارتفاع التكلفة أو تراجع جودة المحصول أو حتى الإضرار بالتربة على المدى الطويل.
ترشيد استخدام الأسمدة لا يعني التقليل منها بشكل عشوائي، وإنما يعني استخدامها وفق احتياجات فعلية ومدروسة. فالنبات له قدرة محددة على امتصاص العناصر الغذائية، وأي زيادة عن هذه الحاجة لا يستفيد منها، بل تتحول إلى فاقد قد يتسرب في التربة أو يُغسل مع مياه الري، لتصبح خسارة اقتصادية وعبئًا بيئيًا في الوقت نفسه.
وتبدأ الخطوة الأولى نحو الترشيد من فهم التربة نفسها فاختلاف طبيعة الأراضي يعني اختلاف احتياجاتها، وبالتالي لا يمكن تعميم نفس برامج التسميد على جميع الحقول. كما أن تقسيم السماد على دفعات، واختيار التوقيت المناسب للإضافة، يرفع من كفاءة الاستفادة ويقلل من الهدر، خاصة في المراحل التي يكون فيها النبات أكثر احتياجًا للعناصر الغذائية.
ولا يقتصر الترشيد على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد ليشمل البعد البيئي. فالاستخدام المفرط للأسمدة قد يؤدي إلى تدهور خصوبة التربة على المدى الطويل، وتلوث المياه الجوفية والسطحية، وهو ما يهدد استمرارية الإنتاج الزراعي نفسه.
أما الاستخدام الرشيد، فيحافظ على التوازن داخل التربة، ويضمن استدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة. ومن زاوية أخرى، فإن الترشيد يمثل عنصرًا مهمًا في تعزيز الإنتاج الغذائي. فالاستخدام المتوازن للأسمدة لا يزيد فقط من كمية المحصول، بل يحسن من جودته، وهو ما ينعكس إيجابيًا على القيمة الغذائية للمنتجات الزراعية. كما أن تقليل الفاقد من الأسمدة يعني خفض تكاليف الإنتاج، وهو ما يساعد على استقرار الأسعار وتحسين قدرة المزارعين على الاستمرار في الإنتاج.
ويتصل ذلك بشكل وثيق بـالأمن الغذائي، حيث إن الاستخدام غير الرشيد للأسمدة قد يؤدي إلى تدهور الأراضي الزراعية وتراجع إنتاجيتها بمرور الوقت، مما يهدد القدرة على تلبية احتياجات السكان من الغذاء. في المقابل، فإن الإدارة الذكية للأسمدة تسهم في الحفاظ على الموارد الإنتاجية، وضمان استمرارية الإنتاج بكفاءة، وهو ما يعد ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بتغير المناخ وزيادة الطلب على الغذاء.
ويبرز هنا دور الإرشاد الزراعي كحلقة وصل حاسمة بين المعرفة والتطبيق. فالإرشاد لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يسهم في تبسيط التوصيات الفنية وتحويلها إلى ممارسات عملية داخل الحقل. من خلال الندوات الحقلية، والزيارات الإرشادية، والتدريب المباشر، يمكن توعية المزارعين بأساليب التسميد السليم، وتوقيتاته، وأخطاء الاستخدام الشائعة. كما يساعد الإرشاد في تعزيز الثقة لدى المزارع لتبني ممارسات جديدة مثل التسميد المتوازن أو استخدام البدائل العضوية، بدلًا من الاعتماد على الخبرة التقليدية فقط. وكلما كان جهاز الإرشاد أكثر فاعلية، زادت كفاءة استخدام الأسمدة، وانخفض الهدر، وتحسنت نتائج الإنتاج.
في النهاية، لم يعد ترشيد استخدام الأسمدة مجرد وسيلة لتقليل التكاليف، بل أصبح مدخلًا متكاملًا يجمع بين الاستدامة البيئية، وتعزيز الإنتاج الغذائي، وتحقيق الأمن الغذائي. فالمزارع الناجح اليوم هو من يوازن بين الإنتاج والحفاظ على الموارد، ويُدير مدخلاته بكفاءة تضمن له الاستمرار والنمو في بيئة زراعية أكثر تحديًا.














