بقلم : د. لمياء محسن
(دكتوراه الإذاعة والتليفزيون ـ كلية الإعلام جامعة القاهرة)
لم تكن الفكرة واضحة في البداية.. مجرد دوّامة من الأسئلة تدور في رأسي بلا توقف. أفكر في الموت… وفي نفس اللحظة أفكر في الحياة. كأنهما وجهان لعملة واحدة، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. وكلما حاولت الهروب من هذا التداخل، وجدت نفسي أعود إليه مرة أخرى، بإلحاح أكبر، وبأسئلة أكثر.
ربما لم تأتِ هذه الأسئلة من فراغ. فالعالم من حولنا لم يعد كما كان. صور الموت لم تعد نادرة، بل يومية. أخبار الحروب، القتل، الظلم… كلها تمر أمامنا بسرعة، حتى فقدت حدّتها. صار الموت خبرًا عابرًا، وربما مزحة أحيانًا. نضحك، نعلّق، ثم نكمل يومنا كأن شيئًا لم يكن.
لكن في لحظة صادقة—ولو نادرة—يتوقف كل شيء.
ويظهر السؤال.
ليس: “متى سنموت؟”
بل: “كيف نعيش… قبل أن يحدث ذلك؟”
في تلك اللحظة، لا تعود الفكرة عامة أو بعيدة. تصبح شخصية جدًا. مؤلمة أحيانًا. لأن الإجابة ليست سهلة، وربما ليست جاهزة أصلًا.
هل أنا راضية عن نفسي؟
عن اختياراتي؟
عن الشكل الذي صارت عليه حياتي؟
هل ما أعيشه الآن هو ما كنت أريده فعلًا؟ أم أنه مجرد مسار انسقت إليه بهدوء، دون أن أنتبه؟.
وهل الأحلام التي سعيت إليها… حين تحققت، منحتني ما توقعت؟ أم اكتشفت متأخرة أنها لم تكن لي من البداية؟
أسئلة كثيرة. مرهقة، لكنها صادقة.
ربما لهذا نحاول أحيانًا التخفيف منها، عندما نحول الموت إلى فكرة أخف، إلى شيء “طبيعي”. نقول لأنفسنا: “كلنا هنموت في الآخر”. وكأن الجملة كافية لتسكين القلق.
لكنها لا تجيب عن شيء.
لأن المشكلة لم تكن يومًا في حقيقة الموت، بل في غموض الحياة.
في تلك المسافة بين ما نعيشه… وما نشعر أننا كان يجب أن نعيشه.
ربما ليست كثرة الأسئلة علامة ضعف، كما نعتقد أحيانًا.
ربما هي العلامة الوحيدة أننا ما زلنا نحاول الفهم. نحاول الإمساك بشيء حقيقي وسط هذا الضجيج.
أن تسأل: هل أنا سعيد؟ هذه ليس رفاهية.
أن تتوقف وتسأل: هل هذه حياتي فعلًا؟ هذا ليس ترفًا.
بل ربما يكون هذا هو الحد الأدنى من الصدق مع النفس.
فلا أحد يملك إجابة كاملة.
ولا أحد يعيش الحياة المثالية التي تخلو من الندم أو الحيرة.
لكن ربما الفارق الحقيقي ليس في عدد السنوات التي نعيشها… بل في وعينا بها.
في قدرتنا—ولو مرة—أن ننظر إلى حياتنا بوضوح، دون تجميل، ودون هروب.
إن الموت ياصديقي، ليس الفكرة الأكثر إزعاجًا كما يبدو.
الأكثر إزعاجًا .. أن نصل إليه، دون أن نكون قد عشنا فعلًا.
ولهذا، يبقى السؤال مفتوحًا ،وربما يجب أن يظل كذلك:
ماذا سنفعل… فيما تبقّى من العمر؟.













