
في أكتوبر ١٩٤٥، وحين كان العالم يلملم جراحه من حرب عالمية كبرى، خرج قرار من عقل قانوني كبير لا يشبه القرارات الإدارية المعهودة. لم يكن توقيعاً عابراً على ورق. كان أقرب إلى نحت في حجر النية. آمن الدكتور عبد الرزاق السنهوري – وزير المعارف، وأملى عليه ضمير المفكر أحمد أمين، أن الدولة الحديثة لا تحيا بملء جدرانها. تحيا بملء العقول التي تسكن خلف الجدران.
قالوا: لتكن “جامعة شعبية”. ليدخلها من لا يعرف طريق الجامعة. ليجلس العامل إلى جوار الأستاذ، لا يفرق بينهما غير شرف المعرفة.
كانت الفكرة جريئة، سابقة لزمانها، أشبه بحلم طازج. أن يصل الكتاب إلى من لم يدخل جامعة، وأن يصل المسرح إلى من لم تعرف قدمه حذاء، بعد أن ظل فن الأغنياء، وأن يصبح التذوق الفني حقاً اجتماعياً لا امتيازاً طبقياً. ثم جاء الفارس النبيل ثروت عكاشة – وزير الثقافة، الرجل الذي كان يرى ما لا يراه غيره، فأخذ الحلم بيديه عام ١٩٦٦، ومده إلى أقاصي الطين، إلى حيث لا مسارح ولا كتب ولا غير عتمة الليل الطويل وسكون الحقول بعد المغرب.
سماها “الثقافة الجماهيرية“، وكأنما أراد أن يقول لنا: الثقافة دم في العروق، وليست زينة على الأكمام. كان ذلك إعلان حرب على الجهل، ورهاناً طويلاً على الإنسان المصري في لحظة كانت الدولة تدرك فيها أن الجهل أخطر من الفقر.
ستة عقود مرت.
المباني ما زالت قائمة، شامخة أحياناً، متعبة أحياناً أخرى. اللافتات ما زالت معلقة، وقد بهت لونها تحت الشمس، أصبحت الهيئة العامة لقصور الثقافة. الميزانيات ما زالت تُصرف في مواعيدها. الموظفون ما زالوا يأتون صباحاً، يوقعون في دفاتر الحضور ذات الغلاف المهترئ، يشربون الشاي، يتصفحون الفيس بوك، ثم ينصرفون.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بما بُني من حجر. السؤال يتعلق بما بقي حياً داخله: هل ما زالت قصور الثقافة تصنع إنساناً، أم أنها صارت جهازاً إدارياً يعيش على ذاته، يدور حول محوره دون أن يبرح مكانه؟
مليار وثمانمائة مليون: ميزانية بلا ذاكرة، وأجور بلا أثر
لا نحتاج إلى تحقيق ميداني معقد. يكفي أن تفتح مصروفات الهيئة للعام المالي ٢٠٢٤–٢٠٢٥ في موازنة الهيئات الخدمية. الإجمالي يقترب من مليار وثمانمائة وخمسة وسبعين مليون جنيه. وعند التدقيق في موازنة العام الحالي، يظهر الباب الأول بند الأجور والبدلات والمكافآت بقيمة ٩٦٨,٣٧٨,٠٠٠ جنيه، بالتمام والكمال. أي ما يقترب من نصف الميزانية. هذا الرقم في ذاته ليس جريمة. الثقافة عمل بشري يعتمد على العقول. لكن الخطورة الحقيقية في غياب ما يقابلها من أثر مقاس. كم برنامجاً استمر أثره بعد انتهاء فعالياته؟ كم شاباً خرج من الفراغ إلى الإبداع؟ كم قرية تحولت فيها الثقافة إلى عادة يومية؟ حين تغيب الإجابات، تتحول الميزانية إلى رقم بلا ذاكرة، والأرقام إلى شواهد قبور. تدل على شيء كان حياً.. ثم صار إلى هذا المصير.
على الورق وصفحات التواصل، تبدو الصورة مثالية. شبكة واسعة من القصور والبيوت والمكتبات. في الواقع، تتباين الصورة. مواقع تحاول أن تبقي جذوة الحياة مشتعلة لهم كل التحية، وأخرى تعيش على إيقاع بطيء، يستهلك الوقت في المكاتبات والإجراءات. المشكلة لا تتعلق بضعف العاملين، بل بطريقة العمل نفسها. بمنهج إداري لم يعد قادراً على مواكبة زمن يتحرك بسرعة غير مسبوقة. إذا كانت التقارير تعلن آلاف الندوات، مئات العروض، ملايين المستفيدين… فأين الأثر؟ انظر حولك: هل قل الجهل؟ هل تراجع العنف؟ هل شعر المواطن أن حياته صارت أفضل لأن عرضاً مسرحياً أقيم قريباً؟ الثقافة الحقة هي التي تغير السلوك، تخفض منسوب العنف، تحفز على الإنتاج. فإذا كانت الأرقام لا تنعكس على المجتمع، فنحن أمام طقس بيروقراطي اسمه “فعاليات ثقافية”، لا مشروعاً تنويرياً. نملأ الاستمارات، نلتقط الصور، ثم نمضي، ونترك الجمهور ليواجه الجهل والتطرف وحده.

وزيرة الثقافة راهنت على رجل يعرف “القرد مخبي ابنه فين”… فهل ينجح هشام عطوة؟
دعوات فخامة الرئيس السيسي إلى دولة الفنون والإبداع منحت المؤسسات الثقافية غطاءً سياسياً. وجاء اختيار الدكتورة جيهان زكي للمخرج هشام عطوة لحظة تستحق التأمل. رجل يعرف أروقة الهيئة ومتاهات البيروقراطية، يعرف الفرق بين كواليس تلد الإبداع وأخرى تلد الأوراق. يعرف أين تختبئ جيوب المبدعين خلف الروتين، وأين يتربص مقاومو التغيير. هذا الاختيار بداية اختبار: هل تتحول الإرادة السياسية إلى منهج عمل؟
يوجد مشروع إصلاحي كامل، لا يحتاج معجزات مالية. مر على وزيرين جليلين، وقوبل بالابتسامات ثم الدفن في الأدراج. البيروقراطية المصرية أصيبت بـ”حساسية التنفيذ”، تفضل الموت السريري على الإصلاح. المشروع يقوم على أربع دعائم: التحسين المستمر، الرقمنة، الحوكمة، وإدارة المخاطر. الثقافة استثمار طويل الأجل. كل يوم يتأخر فيه الإصلاح، يتسع الفراغ لقوى أخرى تشكل الوعي. ما تحتاجه قصور الثقافة ليس مباني ولا افتتاحات، بل شجاعة فتح الأدراج المغلقة وإخراج المشروع إلى الضوء. فالتاريخ لا يذكر عدد المباني، بل يذكر عدد العقول التي أُضيئت.
وقصور الثقافة… يا سادة… ليست حجراً. هي قناديل علقتها الأمة على جدران لياليها الطويلة.
فهل من مُشعل؟














