قال الدكتور علي عبدالحكيم الطحاوي – المتخصص بالشؤون السياسية والاقتصادية أنه في ظل ما يشهده العالم من أزمات اقتصادية متلاحقة وتحديات غير مسبوقة في سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، أصبحت الحاجة ملحة إلى تبني رؤى تنموية غير تقليدية، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص حقيقية للنمو، وعلى رأسها دعم المواطن المصري باعتباره الهدف النهائي لأي عملية تنموية.
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه الرؤية المقترحة كتصور استراتيجي جديد، يقوم على فكرة “الممر التنموي المتكامل” الذي يربط بين كبرى المشروعات القومية، وعلى رأسها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وبين الحياة اليومية للمواطن، بما يضمن تعظيم الاستفادة الداخلية من عوائد التنمية بدلًا من اقتصارها على التصدير فقط.
وأرى أن المرحلة الراهنة، رغم صعوبتها، ليست مستحيلة، بل هي مرحلة قابلة للتحول الإيجابي إذا ما تم استثمارها بالشكل الأمثل، وبما يتوافق مع توجهات الدولة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي نحو بناء اقتصاد قوي، مرن، وقادر على مواجهة الصدمات العالمية، مع تلبية تطلعات المواطن المصري الذي ينتظر مردودًا مباشرًا وملموسًا من ثمار التنمية.
أولًا: فكرة المثلث الاستراتيجي كظهير تنموي
تنطلق هذه الرؤية من موقع جغرافي بالغ الأهمية داخل محافظة الشرقية، يتمثل في المثلث الاستراتيجي (الصالحية الجديدة – الحسينية – صان الحجر)، والذي يمكن تحويله إلى “الظهير الجغرافي والاقتصادي” للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
هذا المثلث ليس مجرد نطاق جغرافي، بل يمكن أن يتحول إلى مركز خدمي ولوجستي وسياحي وصناعي متكامل، يربط بين الإنتاج العالمي في محور قناة السويس، وبين احتياجات السوق المحلي، إضافة إلى جذب السياحة الدولية.
وتكمن أهمية هذا الموقع في كونه:
يتوسط محافظات القناة (بورسعيد – الإسماعيلية – السويس)
قريب من الدلتا والعاصمة الإدارية الجديدة
مرتبط بشبكة الطرق القومية الحديثة
يستفيد من مشروعات “حياة كريمة” في مركز الحسينية
ويجاور واحدة من أهم المناطق الأثرية التاريخية وهي صان الحجر (تانيس)
ثانيًا: المحور اللوجستي والصناعي
1- الصالحية الجديدة: مركز لوجستي ومنطقة بيع حر للمواطن
تقوم الرؤية على تحويل مدينة الصالحية الجديدة إلى مركز لوجستي متكامل لتخزين وتوزيع البضائع، يخدم العاصمة الإدارية والدلتا وكافة محافظات الجمهورية، بما يسهم في تقليل تكاليف النقل وسلاسل الإمداد.
كما يمكن إنشاء منطقة “أوتلت عالمية” داخلها، تضم معارض كبرى لمنتجات المصانع (سيارات – أجهزة كهربائية – منسوجات – وغيرها)، بحيث تُطرح هذه المنتجات للمواطن المصري مباشرة بسعر المصنع أو بتخفيضات تصل إلى 30 – 40%.
ويتم تنظيم عملية البيع من خلال نظام “كوتة للمواطن المصري”، بما يضمن العدالة في التوزيع، ويحول هذه المنطقة إلى أداة مباشرة لدعم القوة الشرائية ومواجهة التضخم.
2- الحسينية: مدينة صناعات مغذية للصناعة الوطنية
أما مركز الحسينية، فيمكن أن يتحول إلى مدينة صناعية متخصصة في الصناعات الصغيرة والمتوسطة المغذية للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وذلك من خلال إنشاء مجمع صناعي يعتمد على تمكين المواطنين والشباب، عبر تخصيص وحدات صناعية صغيرة بمساحات تتراوح بين 100 إلى 300 متر، لإقامة مشروعات إنتاجية في مجالات مثل:
مواد التعبئة والتغليف
الصناعات البلاستيكية
الصناعات الخفيفة
مستلزمات الإنتاج للمصانع الكبرى
وبذلك تتحول الحسينية إلى قاعدة إنتاجية داعمة للصناعة الوطنية، ومحرك رئيسي لتوفير فرص العمل لأبناء المحافظة، خاصة بعد نجاح مشروعات “حياة كريمة” في رفع كفاءة البنية التحتية والخدمات.
ثالثًا: المحور السياحي والتراثي
صان الحجر (تانيس): كنز تاريخي عالمي
تمثل مدينة صان الحجر أحد أهم الكنوز الأثرية غير المستغلة بالشكل الكافي، رغم كونها إحدى العواصم التاريخية لمصر خلال الأسرة الحادية والعشرين والثانية والعشرين، ولقبها التاريخي “طيبة الشمال”.
ومن هنا يمكن تحويلها إلى مقصد سياحي عالمي متكامل، من خلال:
إنشاء متحف مفتوح للآثار ينافس المتاحف العالمية
ربطها بمسارات سياحية تبدأ من موانئ بورسعيد والسخنة
دمجها في برامج السياحة الداخلية والدولية
وبذلك تصبح صان الحجر نقطة جذب للسياحة الأجنبية، ومصدرًا لتدفق العملة الصعبة، ومركزًا لإحياء التراث المصري القديم.
المدينة العالمية للخيول العربية
كما يمكن تعزيز البعد السياحي عبر إنشاء “المدينة العالمية للخيول العربية” بمحافظة الشرقية، باعتبارها من أشهر مناطق تربية الخيول في مصر.
وتشمل المدينة:
مضمار سباق دولي
أكاديمية فروسية متكاملة
مستشفى بيطري متخصص للخيول
وهو ما يفتح الباب أمام سياحة رياضية وثقافية جديدة، تعزز من مكانة مصر عالميًا في هذا المجال.
العوائد المتوقعة من المشروع
هذه الرؤية لا تقتصر على كونها تصورًا تنمويًا، بل تحمل عوائد اقتصادية واجتماعية مباشرة، أبرزها:
توفير ما يقرب من 200 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة
دعم القوة الشرائية للمواطن عبر منتجات بأسعار منخفضة
تقليل الاعتماد على الاستيراد وزيادة الإنتاج المحلي
تنشيط السياحة الثقافية والرياضية
زيادة تدفقات العملة الصعبة من السياحة والتصدير
خلق نموذج تنموي متكامل يربط الصناعة بالخدمات والسياحة
إن تحويل المثلث الاستراتيجي بمحافظة الشرقية إلى ظهير تنموي للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس ليس مجرد مشروع محلي، بل هو رؤية وطنية متكاملة يمكن أن تمثل نموذجًا جديدًا للتنمية في مصر، يقوم على ربط المواطن مباشرة بعوائد الاقتصاد، وتحويل المشروعات القومية من نطاقها الإقليمي إلى أثر ملموس في حياة الناس..














