»» بين منطق العقل وضغط المشاعر.. تتغيّر المعايير حين نكون داخل التجربة
بقلم : د.آية طارق عبدالهادي (مدرس بقسم الإعلام المسموع والمرئي المعهد الكندي العالي لتكنولوجيا الإعلام الحديث CIC)
تظل العلاقات الإنسانية، خاصة العاطفية، من أكثر القضايا التي تثير الجدل في المجتمع، نظرًا لتداخل المشاعر مع القيم والمعايير. ويبرز في هذا السياق تساؤل مهم: لماذا نرى أخطاء الآخرين بوضوح، بينما نُبرر لأنفسنا نفس الأخطاء حين نعيشها؟.
فمن الخارج، تبدو الصورة مكتملة؛ حيث يسهل على أي شخص تقييم علاقة لا ينتمي إليها، فيُحدد الصواب والخطأ وفقًا لمنطق واضح ومعايير مستقرة. ولكن هذه الرؤية تتغير بشكل ملحوظ عندما يصبح الفرد طرفًا داخل العلاقة، لتدخل المشاعر كعنصر مؤثر يُعيد تشكيل طريقة التفكير.
“الحكم على الآخرين من بره سهل جدًا … لكن العيشة جوه التفاصيل مش سهلة خالص”.
ومع هذا التداخل، يبدأ البعض في البحث عن مبررات للاستمرار، حتى في مواقف يدركون في قرارة أنفسهم أنها لا تتماشى مع قناعاتهم. وقد يصل الأمر إلى محاولة إقناع الذات بسلامة قرارات غير منطقية، في ظل رغبة داخلية للحفاظ على العلاقة وتجنب فقدانها.
ويرى مختصون أن هذا السلوك يعكس حالة من الصراع بين العقل والعاطفة، حيث يميل الإنسان إلى تقليل حدة التناقض الداخلي عبر التبرير، خاصة مع زيادة التعلق العاطفي، وهو ما يؤدي إلى تغيّر المعايير التي كان يتمسك بها سابقًا.
والمفارقة هنا أن القدرة على الحكم لا تختفي، لكنها تتأثر بالموقع؛ فكلما اقترب الإنسان من التجربة، فقد جزءًا من حياده، وأصبح أكثر ميلًا لتفسير الأمور بما يتوافق مع مشاعره.
وفي النهاية، تظل الحقيقة أن الحكم على تجارب الآخرين يظل حكمًا غير مكتمل، مهما بدا منطقيًا أو قائمًا على معايير واضحة، وذلك لغياب الإحاطة الكاملة بالظروف والتفاصيل التي شكّلت هذه التجارب.
ومن ثم، يصبح من الضروري تجنّب التسرّع في إصدار الأحكام، أو تبنّي دور “القاضي” تجاه مواقف لم نعشها بأنفسنا، ولم نختبر ما فيها من مشاعر وضغوط وتعقيدات.
فليس من المستبعد، في حال التعرض لذات الظروف، أن تتقارب ردود الأفعال والاختيارات، وربما تتطابق مع ما سبق انتقاده.
وعليه، فإن فهم التجارب الإنسانية يظل مرهونًا بمعايشتها، لا بمراقبتها من الخارج، وهو ما يستدعي قدرًا أكبر من الوعي والتأنّي قبل إصدار الأحكام… أحكام قد نعيد النظر فيها إذا تغيّرت مواقعنا.














