بقلم: د.ياسمين جمال
(باحثة دكتوراة الإعلام التربوي ، جامعة عين شمس)
مع اقتراب موسم الامتحانات، تبدأ ملامح التوتر في الظهور داخل كثير من البيوت، حيث تتغير الأجواء تدريجيًا، ويشعر الأبناء وكأنهم يدخلون مرحلة مختلفة، مليئة بالضغوط والتوقعات. فالامتحان، بالنسبة للطالب، لا يكون مجرد اختبار دراسي، بل تجربة نفسية متكاملة، يختلط فيها القلق بالرغبة في النجاح، والخوف من التقصير. ومن هنا، يصبح من الضروري أن نعيد النظر في مفهوم الاستعداد، فلا نختزله في المذاكرة فقط، بل نوسّعه ليشمل التهيئة النفسية التي تسبقها.
في البداية، يجب أن ندرك أن القلق في هذه المرحلة ليس عدوًا، بل هو شعور طبيعي قد يكون دافعًا إيجابيًا إذا تم التعامل معه بشكل صحيح. فالمشكلة لا تكمن في وجود القلق، بل في تضخيمه أو تركه دون توجيه.
ومن جهة أخرى، فإن بعض الأسر — دون قصد — تساهم في زيادة هذا التوتر من خلال لغة الحديث التي تركز على النتيجة أكثر من الجهد، فتتحول الامتحانات إلى مصدر خوف بدلًا من كونها فرصة لإظهار ما تعلّمه الطالب.
ومن هنا، يظهر دور الأسرة في خلق مناخ نفسي متوازن، يطمئن الأبناء دون أن يلغي أهمية الاجتهاد. فبدلًا من استخدام عبارات الضغط أو المقارنة، يمكن توجيه الحديث نحو تشجيع المحاولة، وتقدير المجهود، والتأكيد على أن الخطأ جزء من التعلم، وليس نهاية الطريق. فالشعور بالأمان داخل البيت ينعكس مباشرة على أداء الطالب، ويمنحه القدرة على التركيز دون تشتيت.
كذلك، فإن تنظيم الوقت يُعد من أهم عناصر الاستعداد، ولكن ليس بالشكل الصارم الذي يُشعر الطالب بأنه محاصر، بل بطريقة مرنة تراعي طاقته وقدرته على الاستيعاب. فالمذاكرة الفعّالة لا تعتمد على عدد الساعات بقدر ما تعتمد على جودة التركيز.
ومن ناحية أخرى، فإن إدخال فترات راحة منتظمة خلال اليوم يساعد على تجديد النشاط، ويمنع الشعور بالإرهاق الذهني الذي قد يؤدي إلى فقدان الحافز.
ولا يمكن إغفال تأثير نمط الحياة اليومي على استعداد الطالب. فالنوم الجيد، على سبيل المثال، يلعب دورًا أساسيًا في تثبيت المعلومات وتحسين الذاكرة، بينما يؤثر السهر الطويل سلبًا على التركيز مهما زادت ساعات المذاكرة. كذلك، فإن التغذية المتوازنة، والابتعاد النسبي عن الشاشات، يساهمان في خلق بيئة تساعد العقل على العمل بكفاءة.
ومن جهة أخرى، يحتاج الأبناء في هذه الفترة إلى دعم عاطفي حقيقي، لا يقتصر على التوجيه، بل يمتد إلى الاحتواء. فالكلمة الطيبة، ونبرة الصوت الهادئة، والإحساس بأن هناك من يفهم ما يمرون به، كلها عوامل تقلل من التوتر، وتعزز الثقة بالنفس. كما أن إتاحة مساحة للحوار، يمكن أن يكشف عن مخاوف داخلية لا يُعبّر عنها الطالب بسهولة.
كذلك، من المهم أن نُعد أبناءنا للتعامل مع الامتحان نفسه، وليس فقط محتواه. فمهارات مثل قراءة الأسئلة بهدوء، وتوزيع الوقت داخل اللجنة، والتعامل مع الأسئلة الصعبة دون ارتباك، تعد جزءًا لا يقل أهمية عن المذاكرة. فبعض الطلاب يفقدون درجات ليس لنقص في الفهم، بل بسبب التوتر أو سوء إدارة الوقت.
ومن ناحية أخرى، يجب أن ننتبه إلى أن كل طفل له طبيعته الخاصة، فهناك من يفضل المذاكرة في الصباح، وآخر في المساء، وهناك من يحتاج إلى تكرار أكثر، وآخر يعتمد على الفهم السريع. وبالتالي، فإن فرض نمط واحد على الجميع قد يأتي بنتائج عكسية، بينما يساعد احترام الفروق الفردية على تحقيق أفضل أداء ممكن.
لذا، تبقى الامتحانات مرحلة مؤقتة في حياة الأبناء، لكنها تترك أثرًا طويل المدى في طريقة تعاملهم مع التحديات. فإذا مرّت هذه الفترة في أجواء من التوتر والضغط، قد ترتبط لديهم بالقلق والخوف، أما إذا تمت إدارتها بوعي وهدوء، فإنها تتحول إلى تجربة تعلّم حقيقية، تعزز الثقة وتبني القدرة على المواجهة.














