بقلم : شحاته زكريا
(باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية)
ليست الحياة كما نرسمها في خيالنا ولا كما تعرض علينا في صور منمقة تخفي أكثر مما تظهر. بين ما نريده حقا وما نعيشه فعليا تتشكل تلك المساحة الرمادية التي تكتب فيها حكايات البشر لا بوصفها انتصارات كاملة ولا باعتبارها هزائم مطلقة بل كسلسلة من المحاولات التي تُعيد تعريف الإنسان لنفسه كل يوم.. في البدايات يكون الطريق واضحا أو هكذا نظن. أحلام كبيرة طموحات بلا سقف وإيمان بأن العالم يمكن أن ينحني قليلا أمام الإصرار. لكن مع مرور الوقت تبدأ التفاصيل في التدخل الواقع بصلابته المسؤوليات بثقلها والظروف بما تفرضه من حدود غير مرئية. هنا لا يسقط الحلم بالضرورة لكنه يتغير يعاد تشكيله أو يُؤجل أو يُختصر، وأحيانا يُستبدل.. المشكلة ليست في التغيير فالحياة بطبيعتها لا تعرف الثبات لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في تلك الفجوة التي تتسع بصمت بين ما كنا نريده وما أصبحنا نقبله. فجوة لا تُقاس بالإنجازات الظاهرة بل بما يتراكم داخل النفس من تساؤلات مؤجلة: هل هذا ما أردته حقا؟ أم أنني وصلت إلى هنا لأن الطريق قادني لا لأنني اخترته؟
في عالم اليوم تبدو هذه الفجوة أكثر وضوحا. فمع تسارع الأحداث وتضخم التوقعات لم يعد الإنسان يعيش وفق إيقاعه الخاص بل وفق إيقاع مفروض عليه. المقارنات لا تتوقف الصور لا ترحم والنماذج المثالية تعرض وكأنها القاعدة لا الاستثناء. وهنا، يتحول الطموح من دافع صحي إلى عبء نفسي ويصبح الرضا تهمة لا حالة من الاتزان.
لكن الحقيقة التي كثيرا ما نتجاهلها أن الحياة لا تقاس فقط بما نصل إليه بل بكيف نصل. فقد يحقق الإنسان ما أراد لكنه يخسر نفسه في الطريق وقد لا يصل إلى كل ما حلم به لكنه يحتفظ بقدر من السلام الداخلي يجعله أكثر اتزانا من كثيرين سبقوه في سباق الإنجاز. إن الحكاية الحقيقية ليست في التطابق بين الحلم والواقع بل في القدرة على التعايش مع المسافة بينهما دون أن تتحول إلى صراع دائم. فليس كل ما نريده يتحقق وليس كل ما نعيشه يجب أن يُرفض. بين الاثنين، تتشكل مساحة الاختيار تلك التي تمنح الإنسان قدرا من الحرية حتى داخل القيود.. وفي هذا السياق يصبح السؤال أكثر عمقا: هل المشكلة في الواقع الذي لا يشبه أحلامنا أم في أحلام لم تُصمم لتحمل تعقيد الواقع؟ الإجابة ليست بسيطة لكنها تكشف أن التوازن ليس في التخلي عن الطموح ولا في الاستسلام للواقع بل في إعادة صياغة العلاقة بينهما.. ربما يحتاج الإنسان من حين لآخر أن يعيد النظر في تعريفه للنجاح. هل هو الوصول إلى صورة محددة سلفا؟ أم القدرة على بناء حياة لها معنى حتى وإن اختلفت عن التصورات الأولى؟ فالحياة لا تمنح الجميع نفس الفرص ولا تسير بنفس الوتيرة لكنها تمنح كل فرد مساحة لصياغة حكايته بطريقته.. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث أن يتحول الإنسان إلى مجرد متلقٍ لحياة لم يخترها يمضي فيها بدافع الضرورة لا القناعة ويستمر فيها لأنه لا يملك شجاعة التوقف أو إعادة التقييم. هنا لا تكون المشكلة في ما نعيشه بل في فقدان القدرة على مساءلته.. ومع ذلك تظل هناك لحظات فاصلة يدرك فيها الإنسان أن الحكاية لم تُكتب بعد، وأن ما مضى لا يلغي ما يمكن أن يأتي. تلك اللحظات التي يتوقف فيها قليلا لا ليُدين نفسه بل ليفهمها لا ليهدم ما بناه بل ليعيد ترتيبه بما يتسق مع ما أصبح عليه الآن لا مع ما كان يتخيله في الماضي.. في النهاية لا توجد حياة كاملة التطابق مع الرغبات ولا واقع خال من التحديات. لكن بين ما نريد وما نعيشه توجد فرصة دائمة لإعادة التوازن لإعادة المعنى ولإعادة اكتشاف الذات بعيدا عن الضجيج.. تلك هي الحكاية… ليست كما أردناها تماما ولا كما فرضت نفسها بالكامل بل كما استطعنا أن نصوغها في المسافة بين الاثنين.














