اللهم لك الحمد على ما اتّضح من دروب الحياة بعد غموض، وعلى ما سقط من أوهام كنّا نظنها حقائق لا تميل. اعتاد الناس أن يردّدوا في بساطة واطمئنان أن “الطيور على أشكالها تقع”، كأنها قاعدة لا تُخالف أو قدر لا يحيد، غير أن الحياة في امتدادها الواسع كثيرًا ما تفاجئنا بما يهزّ هذا اليقين أو يعيد النظر فيه.
التقت قلوبٌ كثيرة دون أن تتشابه، واجتمعت طرق بين أناس لا يجمعهم شبه ولا روح، وكأن اللقاء كان امتحانًا لا اختيارًا وتجربة لا قدرًا مقصودًا. ليست كل الصحبة دليل انسجام، ولا كل قرب علامة ألفة، فقد يقترب المختلفون حتى يظنّهم الرائي واحدًا، ثم لا تلبث الحقيقة أن تنكشف فيظهر التباين واضحًا بعد أن كان مستترًا خلف المجاملة أو الصمت، وكأن الزمن وحده هو من يرفع الستار عن الوجوه.
التشابه الحقيقي لا يُقاس بالهيئة ولا يُختصر في الكلمات، بل يُعرف في المواقف ويثبت في الأزمات، هناك فقط تتجلّى المعادن وتنكشف الطباع، ويُدرك الإنسان من يشبهه حقًا ومن كان مجرد عابر طريق. والخطأ ليس في الحكمة ذاتها، بل في استعجالنا لتصديقها أو في بحثنا عن أشباهنا في أماكن لا تعرفهم، فنُرهق قلوبنا بتوقعات لا تتحقق ونحمّل الواقع ما لا يحتمل، ثم نعود فنعاتبه وكأننا لم نخطئ الاختيار.
ومع مرور التجارب، لا يعود القلب كما كان في بداياته؛ يصبح أكثر حذرًا، لا بمعنى القسوة، بل بمعنى الفهم. يفهم أن بعض القرب استنزاف، وأن بعض البدايات كانت جميلة فقط لأنها لم تُختبر، وأن بعض الأرواح تُجيد الاقتراب لكنها لا تُجيد البقاء. وهنا فقط تتبدّل نظرة الإنسان إلى “الشبه”، فلا يعود يبحث عن من ينسخه، بل عن من يفهمه دون تشابه.
الحياة لا تعدنا بأن نجد من يشبهنا دائمًا، لكنها تمنحنا ما هو أعمق من ذلك، تمنحنا تجارب تُنقّي الوعي، واختلافات تُهذّب البصيرة، وأشخاصًا وإن لم يشبهونا يتركون فينا أثرًا لا يُنسى، أثرًا قد يكون درسًا أو وجعًا أو نضجًا. وحين ينضج القلب يدرك أن التشابه ليس شرطًا للقاء، لكنه شرط للبقاء، وأن الاستمرار لا يحتاج إلى نسخة متطابقة، بل إلى روح تعرف كيف تحترم اختلاف الأخرى.
لا كل من مرّ كان شبيهًا، ولا كل من ابتعد كان غريبًا، وما بين هذا وذاك نتعلّم أن نُحسن الاختيار، وأن نُبقي في قلوبنا مساحة لمن يستحق، وصمتًا حكيمًا عمّن لا يشبهنا. وأن بعض الطيور لا خيانة فيها، لكنها لا تعرف كيف تطير في سمائنا، فتمضي كما جاءت… بلا أثر إلا ما تركته في الداخل من وعيٍ جديد.
فالطيور قد تقع حيث شاءت الأقدار، لكنها لا تستقر إلا حيث تجد ما يشبهها حقًا… أو ما يُشبه طمأنينتها.














