ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة وضيفتنا في هذه السطور الأديبة الشابة جومانة فرج سالم ،والتي أهدت بوابة الجمهورية والمساء أون لاين أحدث إبداعاتها في ثياب القصة القصيرة تحت عنوان :”لم ترغب بي المدينة”..ننشرها عبر هذه السطور.
🍂
لم ترغب بي المدينة
كنتُ في سيارةٍ تتأهب للتحرك، فنظرتُ أمامي لآخر مرة، وأنا أتأمل بعينيَّ كل ثانيةٍ ولحظةٍ من لمعان النجوم الحنطية أمامي.
كانت أنفاسي متسارعة، ودقات قلبي أسرع، والخوف يعتريني. الوقت فجأة أصبح أسرع من المعتاد، وكأنه فرقة موسيقية تعزف بعنفٍ شديد في مسرحيةٍ مظلمةٍ زرقاء.
ابتلعتُ ريقي عدة مرات حتى أصابتني غصّة، فكففتُ عن التنفس لعلّ ذلك يبطئ الوقت. وفي تلك اللحظة تحديدًا، رأيت النجوم وقد بدت باهتة؛ لم تكن تنظر إليّ بذات اللمعان المعتاد.
اشتعل محرك السيارة، وسرت قشعريرة الخوف في جسدي.
وفجأة، التفّت حول معصميّ وساقيّ ورقبتي سلاسل حديدية شائكة، ثبّتتني في المقعد الذي كرهته.
حاولت أن أتحرك من مكاني، لكنني لم أقوَ.
نظرتُ حولي بسرعةٍ وذعرٍ شديدين.
اختفت النجوم؟
أين ذهبت؟
وتحركت السيارة، وازداد اختناق السلاسل حولي.
التصقتُ بالكرسي، وشعرت بأنني أغرق بداخله تدريجيًا.
أين ذهبت النجوم الحنطية؟
حاولت التحرك، لكن جسدي كان قد التحم به حتى أصبحا جزءًا واحدًا.
لا تزال الفرقة الموسيقية تعزف، ولكن بصخبٍ أشد.
حتى شعرتُ بشلالٍ من الدموع الساخنة ينسكب من مقلتيّ عيني.
كلما انطلقت السيارة إلى الأمام، شعرتُ بجسدي ينسحب إلى الخلف أكثر، وكأنه يأبى أن يغادر المدينة حيث النجوم الحنطية.
كان الليل أكثر سوادًا من المعتاد، والرياح أكثر برودة، وصوت الطبول في رأسي عالٍ.
أين النجوم الحنطية؟
ألن أراها مجددًا؟
هل… رحلت إلى الأبد؟
اللعنة عليها…
لم تكن لامعة من الأساس.
كان ذلك انعكاس عينيّ طوال الوقت.
كنتُ أنظر حولي بصمت.
أردتُ أن أصرخ.
أردتُ أن أقفز خارج السيارة.
أردتُ أن أركض عائدةً إلى المدينة.
لكن المدينة لم ترغب بي،
ولن ترغب بي يومًا.
وها أنا لن أعود إلى تلك المدينة مجددًا.














