بقلم ✍️ د. هويدا مروان
( دكتوراة أصول التربية ـ كلية التربية جامعة عين شمس)
توصف العلاقة بين التربية والثقافة أو التعليم والثقافة حيث يترادف اللفظان(التربية والتعليم) في مفهومهما المعاصر، توصف العلاقة بأنها تكاملية؛ فالتربية تسعى إلى تشكيل الإرادة واكتشاف المواهب والتعرف على القدرات والميول، والعمل على تزويد هذه الطاقات بالمهارات التي تمكن الفرد من الرقي، وبناءً عليه فأي خلل يصيب عملية التربية ينعكس بشكل مباشر على كافة جوانب الحياة ولا يقصد بالتربية أو بالتعليم مجموعة الدروس التي يتلقاها الطالب يوميًا في المدرسة؛ بل هى فلسفة كاملة تبدأ مع الفرد منذ بداية طفولته تغرس فيه بذور سلوكياته التي تشكل شخصيته المستقبلية، وتنمى حواسه، فهى فلسفة لها أهدافها ومحتواها تسعى لتنمية قدرات الإنسان العقلية والفكرية.
ومن المؤكد أن تطوير العملية التعليمية بما يتوافق مع تطورات العصر سيساهم بشكل كبير في إعلاء شأن الثقافة أو المعرفة في المجتمع؛ لذا فإن العلاقة بين التربية والثقافة علاقة تكاملية لأن التربية تصنع المحيط الملائم لازدهار الثقافة ونموها؛ لأنها تغرس القيم العليا في نفوس النشء، كما أنها تشكل مستوى الوعى والاهتمام الثقافي لديهم، وإذا أردنا النجاح لخطط التنمية علينا الاهتمام بالتعليم والثقافة؛ لأنهما يؤسسان القواعد النفسية والعقلية لاستيعاب برامج التنمية، وعلى هذا فإن مشاريع التعليم والتثقيف الاجتماعي لا تعد مشاريع استهلاكية؛ بل هى من صميم العمليات الإنتاجية، فالتطوير والرقي الاجتماعي يعتمد على قطبين أساسيين هما التعليم والثقافة.
وهو ما يؤكد عليه الدكتور سعيد إسماعيل علي العالم التربوي وأحد أقطاب التربية العربية حينما حدد موضوع التربية في أنه تنمية شخصية الإنسان عن طريق إكسابه ثقافة الجماعة التي هو عضو فيها، وتزويده بما يجعله قادرًا على التفاعل الإيجابي مع الجماعة، والمساهمة في صنع الثقافة وتجديدها، وبالتالي إكسابه كفاءة شخصية وتعظيم قدرات وإمكانات الجماعة ورفع كفاءتها العامة.
أما شيخ التربويين العرب الدكتور حامد عمار فيشدد على العلاقة القوية بين التربية والثقافة ويصفها بأنها علاقة توأمة.
وهو بدوره يقدم مجموعة من الأسس الفلسفية لتلك العلاقة منها، أن قيم الثقافة ومضامينها موجودة ومقترنة اقترانًا موضوعيًا بالوجود الإنساني؛ سواء كان هذا الوجود قبيلة أم جماعة أو مجتمع أو إمبراطورية. فالإنسان يولد وينشأ في ظل ثقافة هذه التشكلات السياسية. كما أن الإنسان يتعرض في مراحل نموه لمجموعة من المؤثرات الثقافية التي تتنوع بين مؤثرات مادية، أو اجتماعية، أو فكرية، وهو محكوم عليه بما يعرف بالوراثة الاجتماعية. وفي مقابل ما سبق وهبه الله مجموعة من الحواس ومرونة فائقة للتأثر بما يحيط به من خلال تلك الإمكانات، سواء بالفعل الشرطي أو بالتكيف الحسي والعقلي والقدرة على الإفادة من الخبرات السابقة (التعلم الذاتي) يتفاعل مع ما حوله من مؤثرات بيئية، ومع عالم القيم فيما هو مباح أو ممنوع، ومع التقدم في النمو تزداد قدرته.
ومع هذا السياق من التفاعل بين التربية والثقافة المتمثلة في مفردات الواقع المحيط بالإنسان يمكن القول بأن الإنسان قادر على التعلم، ولكنه يحتاج إلى الحرية حتى تنمو قدراته، ولا يكون تشكيله مرتبط فقط بالموروثات الثقافية التي تتناقلها الأجيال جيلًا بعد جيل؛ فالتعليم والتعلم تعبيرًا ثقافيًا يؤثر في الإنسان، ويزيد من وعيه في ظل غياب تلك الديمقراطية كما يؤكد دكتور عمار أن الحرية من أكثر القضايا تشابكًا مع عملية التعليم والثقافة؛ إذ تقوم حركات اجتماعية سياسية تسعى لاختراق الموروثات الثقافية التاريخية المتجمدة وينجم عن ذلك أن يستجيب التعليم لهذه الحركات ليغلب تكوين الإنسان الفاعل على المفعول به.
إذن كما يتضح مما سبق أن التربية والثقافة يرتبط كلُ منهما بالآخر ارتباطًا وثيقًا ويتأثر كل منهما بالآخر تأثرًا شديدًا؛ فالثقافة منبع تستمد منه العملية التعليمية مضمونها ورسائلها ثم يحول التعليم هذه المفاهيم إلى مناهج تزود المتعلم بالمعرفة وطرق التفكير التي تصب في النهاية في الرصيد الثقافي الذي استقت منه.
وبناءً عليه أرى طرح تساؤلًا أظنه مشروعًا: لماذا غابت لجنة التربية عن لجان المجلس الأعلى للثقافة؟!.














