بقلم : د.خلود محمود ( مدرس الإعلام الرقمي بمعهد كينج مريوط للدراسات الأدبية)
عندما دخلت ثورة منصات “السوشيال ميديا” في حياتنا قبل عقد ونصف بشرتنا النظريات الإعلامية بفجر جديد لحرية التعبير ، سمعنا عن ‘المواطن الصحفي، و’الرأي العام الرقمي ، وديمقراطية المنصات والثورات الالكترونية لكن ما نشهده اليوم في العالم عامة والعالم العربي خاصة يقدم لنا حقيقة مغايرة تماماً ، فلم تعد “السوشيال ميديا” فضاءً لحرية الرأي، بل ساحة فوضى يتنافس فيها الجميع على إطلاق أشد الانتقادات وأكثرها بلبلة، دون أن يكون لأحدهم مرجعية فكرية، أو خلفية اجتماعية، أو حتى هدف واضح سوى جذب الانتباه وتحقيق التفاعل.
لقد اوهم هذا العالم سكانه بالحرية المطلقة وتلك هي أول مغالطات السوشيال ميديا أنها أوهمت الناس بأن لكل رأي قيمة ذاتية في العصر الرقمي ، في الماضي كان ظهور الرأي العام يمر عبر بوابات متعددة: المعرفة، التأهيل، الخبرة، أو على الأقل تمثيل مؤسسي ، أما اليوم فأي شخص يملك هاتفاً ذكياً يعتبر محللاً سياسياً وخبيراً إجتماعياً وناقداً فنياً في آن واحد.
والنتيجة هي تسوية الذائقة الفكرية، حيث يصبح رأي جارك في السياسة مساوياً لرأي أستاذ جامعي، وتغريدة عابرة عن الاقتصاد لها نفس وزن دراسة علمية هذه المساواة الزائفة هي جوهر الفوضى ، التي بدورها أدت إلي مشكلة أعمق وهي غياب المرجعية الفكرية والاجتماعية لدى معظم المغردين والنشطاء.
والمرجعية تعني أن يكون لرأيك جذور بمعني دين واضح، أيديولوجيا محددة، انتماء حزبي معلن، أو على الأقل خلفية مهنية تمنحك حق التحدث ، لكن على السوشيال ميديا، الجميع يتحدثون في كل شيء. والنتيجة؟ خطاب هلامي، متناقض، يتغير حسب الاتجاهات الرائجة وليس حسب القناعات و الأكثر خطورة أن المتلقي العادي لا يستطيع تمييز من يملك صلاحية الحديث عن من يعرف بما لا يعرف وهنا تكمن الكارثة: فرصة متساوية للتضليل والتحريض والإشاعة، مثلها مثل النقد البناء والتوعية المفيدة .
إن ما يسمى بحرية التعبير على “السوشيال ميديا” غالباً ما يتحول إلى أداة لبلبلة المجتمع، سواء بقصد أو بدون قصد ، ونري البعض يمارس البلطجة الإلكترونية عن عمد، لتحقيق أهداف سياسية أو مادية أو نفسية. والبعض الآخر يشارك في الفوضى بحسن نية، لكنه يصبح مضخماً طبيعياً للشائعات والأخبار الكاذبة في كلتا الحالتين النتيجة واحدة: مجتمع مشتت، مشحون بالغضب والتوتر، حيث تكبر القضايا التافهة وتصغر الخطيرة، وتختفي الحقيقة في زحمة الأكاذيب ، لقد وصلنا إلى مفارقة خطيرة بعد هذا الحديث ألا وهي أن الحرية تُمارس على حساب النظام العام، والصوت الأعلى هو الأكثر تأثيراً وليس الأكثر صواباً ، وهنا نطرح سؤال مهماً لماذا يبدي الناس ارائهم من الأصل وهل هم مدركون لكافة أبعاد أي قضية ليكون لهم رأي عام مستنير عنها في الدراسات الكلاسيكية للرأي العام كان إبداء الرأي هدفه التأثير في القرار أو تنوير المجتمع، أو الدفاع عن مصلحة ، أما الآن فدوافع إبداء الرأي على السوشيال ميديا تبدو مختلفة تماماً فما بين جذب الانتباه نجد الرأي الحاد والصادم يحقق مشاهدات أكثر ، والتعبير عن الغضب فكثير من الآراء ليست سوى إسقاط لحالات نفسية شخصية ، ناهيك عن الانتماء الجماعي الذي تبني فيه رأي رائج ليشعر الفرد أنه مع المجموعة ، أما المكاسب المادية فحدث ولا حرج فبعض الحسابات الرابحة تصنع الآراء على مقاس الإعلانات والمبيعات.
أن هذا التنوع في الدوافع، معظمه غير معلن وغير مرتبط بالصالح العام، يحوِّل الفضاء الرقمي إلى سوق مفتوحة للأهواء، حيث يعرض الرأي كسلعة، ويستهلك كمنتج، دون أي مسؤولية أخلاقية أو قانونية.”
في نهاية المقال “السوشيال ميديا” ليست شراً مطلقاً لكنها تكذب علينا حين تصف نفسها بأنها فضاء للحرية ، هي في حقيقتها مرآة لمجتمعنا بأمراضه، لكنها مرآة مكبرة ومشوهة تظهر السلبي والعيوب وتهمش الايجابي والجيد منه والحل ليس في العودة إلى عصر الإعلام الأحادي، بل في تربية جيل جديد من الجمهور الرقمي يعرف كيف يتلقى المحتوى، كيف يتحقق من المصادر، كيف يميز بين الرأي والحقيقة، والأهم كيف يقرر متى يصمت لأنه غير مؤهل للكلام ، أن القوانين وحدها لا تكفي فنحن نحتاج إلى ثقافة جديدة تقول بوضوح ليس لكل أحد أن يبدي رأياً في كل شيء، وليست كل حرية تعبير مشروعة إذا أدت إلى بلبلة المجتمع وتدمير نسيجه.














