يمضي الإنسانُ في الحياة ظانًّا أن السعادة بابٌ إذا وصل إليه استراح، ثم يكتشف بعد أعوامٍ طويلة أن الراحة الحقيقية ليست في كثرة ما نملك، بل في الطمأنينة التي يسكبها الله في أرواحنا حين تتعب.
ويا لعجب هذه الدنيا…
تعطي الإنسان أحيانًا أشياء كثيرة، ثم تترك في قلبه فراغًا لا يملؤه شيء. فيضحك بين الناس، بينما في داخله غيمةٌ ثقيلة لا تمطر، ووجعٌ صامت لا يراه أحد.
الحياة لا تمنح أحدًا صفوها كاملًا؛ فلا الغني ينام بلا خوف، ولا المشهور يعيش بلا وحدة، ولا القوي ينجو من الانكسار. وكل روح فوق هذه الأرض تحمل نصيبها من التعب، غير أن بعض الوجوه تُخفي وجعها بابتسامة هادئة وصمتٍ طويل.
لقد خلق الله القلوب لتميل وتتعب وتضعف، ولم يخلقها من حجر؛ لذلك لا تخجل من حزنك، ولا تعاتب نفسك لأنك تألمت يومًا. فالقلوب النقية أكثر الأشياء إحساسًا، وأكثرها تأثرًا بما تراه من قسوة البشر.
وما أقسى أن يمنح الإنسان عمره للآخرين، ثم يعود آخر الطريق مثقلًا بخيبةٍ لم يكن يستحقها. يساعد هذا، ويجبر خاطر ذاك، ويقف سندًا للجميع، ثم إذا تعثر يومًا لم يجد يدًا تمتد إليه. كأن الأرواح الطيبة خُلقت لتمنح الدفءَ للعالم، بينما ترتجف وحدها في البرد.
لكن لا تجعل الخذلان يسرق منك نفسك الجميلة. فليس كل من آذاك انتصر عليك، وليست كل دمعة هزيمة. أحيانًا يكون الألم رسالةً خفية من الله ليُبعد عنك ما ظننته خيرًا، بينما كان يحمل تعب قلبك كله.
أبوابٌ كثيرة أُغلقت فبكينا عندها، ثم اكتشفنا بعد سنوات أن الله نجّانا بها. وأشخاصٌ رحلوا فظننا أن الحياة انتهت، ثم أدركنا أن بعض الغياب رحمة، وأن بعض النهايات كانت بدايةً لسلامٍ لم نكن نعرفه.
لا تُطفئ قلبك مهما رأيت.
ابقَ نقيًّا ولو تلوّث العالم، وابقَ رحيمًا ولو قست القلوب، وابقَ وفيًّا ولو خانك الناس. فالإنسان لا يُقاس بما جمعه من الدنيا، بل بما ظل يحتفظ به من أخلاقه رغم قسوة الطريق.
وسيأتي يومٌ تنظر فيه إلى كل ما أحزنك، فتبتسم في هدوء، وتقول:
«الحمد لله… لقد مرَّ كل شيء، وما زال قلبي حيًّا.












